تبدو حركة حماس أكثر حذراً في التعامل مع تطورات إقليم الشرق الأوسط المشتعل، لاسيما بعد تأثر علاقاتها مع بعض الأطراف إثر اندلاع الأحداث في سوريا، ساعية بكل طاقتها للنأي بذاتها عن أتون صراع دولي محموم على النفوذ والثروات في المنطقة.
وتضررت علاقة حركة حماس بإيران وحلفائها النظام السوري وحزب الله بعد انسحابها من سوريا لرفضها الانحياز ضد خيارات الشعب السوري، وباتت الحركة أمام معضلة دقيقة تفرض عليها الموازنة بين حاجتها للدعم الإيراني والحفاظ بذات الوقت على مرجعيتها السنية وعمقها العربي.
وتمكنت الحركة من تجاوز الخلافات مؤخرًا، بتوطيد سلسلة من علاقاتها المحورية خاصة مع السعودية وايران، إذ أعادت ربط العلاقة مع الأولى بعد التحول السياسي الذي أعقب تولي الملك سلمان مقاليد الحكم، وسعت لترتيب العلاقة مع الأخيرة ضمن سلسلة من اللقاءات كان آخرها زيارة وفد رفيع المستوى من الحركة لطهران.
لكن مع تعقد الأوضاع في المنطقة تبدو مهمة حماس أكثر صعوبة "ففي المعارك الكبرى لا تُقبل المواقف الرمادية" بحسب جمال خاشقجي الصحفي المقرب من دوائر صنع القرار في السعودية، ومع ذلك فإن الحركة لا تزال تمسك بخيوط العلاقة من المنتصف، على قاعدة أن القضية الفلسطينية هي جامعة لمختلف القوى، وأنها بحاجة لدعم الجميع على أساس دعم القضية وحسب.
ولا تخفي حماس رغبتها إعادة العلاقات مع كل من طهران والرياض دون تقديم مواقف سياسية لكن الأوضاع في المنطقة تدفع الطرفين إلى محاولة استغلال القضية الفلسطينية وفصائل المقاومة وعلى رأسها حركة حماس على اعتبار أنها رافعة وورقة قوة تسعى جميع الأطراف لضمها إلى تحالفها.
العدو الأول
وما يزيد من الألغام الموضوعة في طريق حماس هو التغيير الكبير الذي طرأ على المفاهيم والمبادئ الأساسية؛ فكثير من الدول العربية لم تعد ترى في (إسرائيل) العدو الأول للعرب واستبدلتها بإيران، وباتت تعطي الحرب على الأخيرة أولوية قصوى في حين قد تتفق مصالح بعض الدول مع الاحتلال (الإسرائيلي) في بعض الملفات في مفارقة غريبة. كما أن المتغيرات الدولية والإقليمية أزاحت فلسطين عن عرشها كقضية أولى للعرب الغارقين حتى آذانهم في قضاياهم الداخلية وملفات المنطقة الملتهبة.
هذا الواقع لا يفرض على حماس أو غيرها من الأطراف الخروج بمكاسب أو خسائر وإنما النجاح والانجاز الحقيقي هنا هو الخروج بأقل الخسائر من حرب ضروس بين دول المنطقة المستفيد الأكبر منها الاحتلال (الإسرائيلي).
حركة حماس التي زارت طهران في الذكرى الـ 37 لانتصار الثورة الإسلامية، ضمن وفد من 9 فصائل فلسطينية، نجحت فعلا في التأكيد على أن القضية الفلسطينية ليست في جيب أحد، وأن أساس أي علاقة لا بد وأن يكون دعم القضية الفلسطينية فقط.
وقال خالد القدومي ممثل الحركة في طهران لـ "الرسالة"، إنّ الجانبين اتفقا على تحييد الملفات الأخرى، وأن تكون القضية الفلسطينية هي صميم العلاقة الثنائية بين الطرفين، مشيرًا إلى أن الحركة التقت حصريًا ومنفردًا بقيادات وازنة على صعيد صناعة القرار في البلاد، موضحًا أنها تطرقت للحديث حول سبل تحسين الأوضاع وتحسينها بما يخدم مصلحة الشعب الفلسطيني.
وتؤكد حركة حماس، أن زيارتها لأي طرف كان لا يشعرها بالحرج، لأنها قائمة على أساس دعم القضية، ويقول أسامة حمدان مسؤول العلاقات الدولية في الحركة، إن حركته ليست صندوق بريد لأحد ولا تستأذن أحدًا في علاقاتها الخارجية، وهي معنية تمامًا بإرساء القضية الفلسطينية كقاعدة جامعة لمختلف التيارات المتباينة في المنطقة.
وفي الجهة المقابلة، يدرك الايرانيون استحالة إجبار حماس أو الضغط عليها للتخلي عن موقعها السني، مع معرفتهم بصعوبة الـتقاط صورة مكتملة مع حماس تشي حصريتها التامة لإيران، خاصة في ظل المعطيات السياسية والأيدلوجية التي تضبط مسار تعامل الحركة مع الأحداث.
وترك الايرانيون خيار زيارة رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل إلى طهران أمرًا منوطًا به، في وقت تبدو فيه حماس حريصة على تـأخير هذه الخطوة للحفاظ على شكل متوازن من العلاقات بما لا يسيء فهم الخيارات السياسية للحركة.
وأكدّ حسين شيخ الاسلام مساعد رئيس البرلمان الايراني، أن حركة حماس لا يمكن التخلي عن العلاقة معها، وهناك تفهم إيراني لحقيقة العلاقات القائمة في الوقت الراهن. وعلى الناصية الأخرى من الطريق، تبدو العلاقة مع السعودية أكثر تعقيدًا في ظل حالة السكون التي تعتري العلاقة بين الطرفين، إذ أن مصادر رفيعة المستوى داخل حركة حماس، أكدّت أن العلاقة بقيت على ما هي عليه ولم يحدث اختراقًا أكبر في طبيعة العلاقة وفق ما توقعته حماس.
وتعزو جهات سياسية سعودية محددات العلاقة مع حماس، إلى طبيعة الأوضاع التي تمر بها المملكة في المنطقة على ضوء اهتمامها بملفي اليمن وسوريا، إضافة إلى طبيعة تعقيدات العلاقة مع مصر والسلطة الفلسطينية.
وتمكنت حركة حماس من الانتقال بالعلاقة مع السعودية من منطق العداء الذي ظهر قبل تولي الملك سلمان في وسائل إعلامية سعودية ضد الحركة إلى منطق المعايشة، وفق ما يفسره مراقبون في الشأن السعودي.
وأكدّ خاشقجي المقرب من صناعة القرار بالمملكة أن حماس لم تعد جسمًا غريبًا بالنسبة للسعودية، ومع ذلك فإن مصادر سعودية أكدت للرسالة، تأجيل المملكة للقاءات مع الحركة، رغم تمسك الأخيرة بها. وأمام ما سبق من معطيات فيبدو أن الطرف الايراني أكثر تقبلا واهتماما بالعلاقة مع حماس، في وقت ترى فيه السعودية أن ملفات أخرى أكثر إلحاحًا وأولوية لها بالنسبة للعلاقة مع الحركة.