يسود توتر كبير في العلاقة بين السلطة الفلسطينية ودولة الإمارات، على ضوء مقال للكاتب الفلسطيني جهاد الخازن، هاجم فيه بشدة السلطة ورئيسها محمود عباس، وحركة فتح، لدرجة أن الأخيرة طالبت الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي بـ "موقف صريح" مما ورد في المقال.
ونقل الخازن في مقال نشرته صحيفة الحياة اللندنية بعنوان (رأي خليجي في أوباما والقيادة الفلسطينية)، عن مسؤول خليجي بارز التقاه في البحرين، قوله إن "قيادة السلطة الفلسطينية كلها يجب أن تتقاعد، فلا ثقة فيها"، مضيفا: "هو سألني هل سمعت عن تعامل السلطة مع الإمارات، قلت له إنني سمعت بالتأكيد وطلبت منه إيضاحا، فقال إن الإمارات بقيت أربع سنوات تساعد السلطة بحوالي 500 مليون دولار في السنة، وإنه شخصياً كان يحمل زرًا عن كوفية فلسطينية تضامنًا مع الفلسطينيين".
ووفق المسؤول الخليجي، فإن سلام فياض رئيس الحكومة الفلسطينية الأسبق جاء إلى أبو ظبي وقال إنه قرر إنشاء جمعية غير حكومية، وأن المسؤولين في أبو ظبي اختاروا أن يدعموا جمعيته بـ10 ملايين دولار، وأنهم فوجئوا بالمدّعي العام الفلسطيني يجمِّد تحويلاً بمبلغ 700 ألف دولار إلى جمعية فياض، ويتهم الإمارات بمحاولة تبييض أموال عن طريق الأراضي الفلسطينية.
وعلّق الخازن، الذي يكتب تحت عنوان ثابت (عيون وآذان): "قال لي المسؤول الخليجي والغضب بادٍ عليه: هل تصدق أن الإمارات تختار تبييض أموال عن طريق الأراضي الفلسطينية وأن المبلغ هو 700 ألف دولار فقط ؟، هو قال إن التهمة سقطت والمدعي العام اعترف بأن أبو مازن أمره بتلفيقها، والإمارات الآن تطالب الرئيس الفلسطيني بالاعتذار علنًا، وقد أوقفت كل المساعدات إلى السلطة".
وذكر الكاتب الفلسطيني أن المسؤول الخليجي البارز- الذي لم يذكر اسمه أو يشير إليه- حدثه "عن أبو مازن وزوجته وأولاده إلا أنني أختار عدم النشر"، مطالبا السلطة بالعمل "حتى لا يخسر الفلسطينيون دعم أبناء الشيخ زايد لهم"، وفق قوله.
فتح غاضبة
وفيما يبدو أن المقال وصل سريعا مسامع حركة فتح، طالبت الأخيرة ولي عهد أبو ظبي بموقف صريح منه، وقالت في بيان لها "إن ما ورد في صحيفة الحياة على لسان الخازن من إساءة لرئيس الحركة وقائدها العام رئيس الشعب الفلسطيني محمود عباس موقف يخدم دولة الاحتلال والعاملين على ضرب صمود الرئيس عباس وحركة فتح والقيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني في وجه المشروع الاحتلالي الاستيطاني".
واعتبرت أن ما ورد في المقال "محاولة لتبرير وتمرير المؤامرات على القضية الفلسطينية، وإساءة لنضال شعبنا الفلسطيني وثورته، وحركة تحرره الوطنية". وتساءلت عن مسوغات جريدة الحياة اللندنية الناشرة لهذا المقال رغم إدراك المسؤولين فيها التعرض "لأمانة" قيادة حركة فتح والسلطة الفلسطينية والغمز واللمز في سيرة عباس.
وقد انبرى المحرر السياسي لوكالة أنباء السلطة (وفا) في مقال له إلى الدفاع عن السلطة، بقوله إن "الخازن كتب في صحيفة الحياة اللندنية مقالا يطفح بالبذاءة التي تأنف منها العيون والآذان، نسبها إلى من قال إنه مسؤول خليجي بارز، ادعى أنه التقاه وتلقى منه تلك البذاءات مباشرة، ودون أن يفصح عن اسمه أو بلده وإن اتضح من حديثه أنه يقصد مسؤولا كبيرًا من دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، قبل أن يدعي عند مراجعته أن هذا المسؤول الخليجي هو الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي".
وفي الأثناء، قال يحيى رباح عضو المجلس الاستشاري لحركة فتح، إن دولة الإمارات لا يمكنها ممارسة الضغط على السلطة الفلسطينية؛ "لأن شعبها خلفها"، منتقدا في الوقت نفسه، علاقة الإمارات بالقيادي المفصول من فتح، محمد دحلان.
وقال رباح لـ"الرسالة نت" إن دحلان مستشار أمني لدى محمد بن زايد، لكنه في ذات الوقت لا يمكنه أن يمارس ضغطًا على السلطة من خلالها، مشيرا إلى أن الإمارات والسلطة وبقية الدول الخليجية، تربطها رؤية مشتركة فيما يتعلق بالقضايا السياسية.
وانتقد رباح ما تحدث به أحد الكتاب السياسيين عن انزعاج الإمارات من السلطة، ووصفه بـ"المرتزق".
حالة عتب
وعلى نحو متصل، كشف مسؤول رفيع المستوى في السلطة الفلسطينية عن تراجع دول عربية "مهمة" عن دفع مساعدتها المالية التي تقدم بصورة شهرية لخزينة السلطة.
وأكد المسؤول في تصريح لـ"الرسالة نت"، الأربعاء، أن دولا عربية على رأسها الإمارات أبلغت المسؤولين في السلطة أنها لن تقدم أي دعم مالي مباشر للسلطة؛ "بسبب خلافات سياسية في التعامل مع المتغيرات الراهنة".
وأوضح أن السلطة حاولت عبر موفديها استيضاح الأمر، وحث الدول على استئناف الدعم المالي، إلا أن تلك الدول رفضت الاستجابة لتلك التحركات، وتذرعت بأن الأمر بسبب الأزمات المالية التي تعاني منها، والوضع العربي بشكل عام، وتوجه الأموال لمساعدة السوريين واليمنيين، بسبب الحروب الدائرة هناك".
وأشار إلى وجود ما وصفه بـ "حالة عتب كبيرة" على الرئيس عباس؛ بسبب فشله في إتمام المصالحة الداخلية مع حركة حماس، أو إحراز أي تقدم بملف المفاوضات مع (إسرائيل)، لافتا إلى أن أبو مازن حاول إصلاح بعض العلاقات المتوترة مع بعض الدول العربية ومن بينها "الإمارات والكويت وقطر والسعودية"، إلا أن كل محاولاته فشلت ووصلت لطريق مسدود.
يذكر أن الدول العربية في قمة الكويت 2010 أقرت بتوفير شبكة أمان مالية للسلطة بـ100مليون دولار، وشكل وزراء الخارجية العرب في اجتماع الدوحة الأخير لجنة خاصة لمتابعة جمع المبالغ المالية لإيصالها للفلسطينيين (السلطة)، إلا أن تلك الأموال لم تصل بعد، ما يشي بوجود أزمة كبيرة في علاقة السلطة بالمحيط العربي.