اعترفت قيادات فتحاوية بارزة بسوء واقع حركة فتح، واصفة مشاركة الحركة بوضعها الراهن في الانتخابات المحلية المرتقبة خلال شهر أكتوبر المقبل بأنها "انتحار حقيقي"، وأن من شأنها "تقديم الفوز على طبق من ذهب لحركة حماس".
وتزداد رقعة الخلافات بين أقطاب الحركة في حالة تثير القلق لدى الكثيرين حول انعكاسات ذلك على الساحة الفلسطينية وتأثيرها على مجرى الانتخابات البلدية. ووصل الخلاف الفتحاوي ذروته في طولكرم بعد اختطاف أجهزة أمن السلطة العشرات من كوادر فتح، وصولا إلى الاعتداء على إبراهيم خريشة أمين عام المجلس التشريعي، وضرب أمين سر الحركة مؤيد شعبان، الأمر الذي دفع بالعشرات من كوادر فتح للتقدم باستقالاتهم الجماعية.
فصل أربعة من قيادة فتح يفجر خلافات الحركة
وازدادت الفجوة مع إعلان حركة فتح فصل النائب نجاة أبو بكر والنائب نعيمة الشيخ علي، بتهمة التجنح لمحمد دحلان، رغم ما صدر من نفي رسمي بهذا الخصوص، إلا أن من حضر الاجتماع كشف للرسالة عن حقيقة الأمر. وعلمت "الرسالة" أن المفصولين الأربعة هم "نعيمة الشيخ علي وتوفيق أبو خوصة وعدلي صادق ونجاة أبو بكر".
ومع اعتداء أجهزة أمن السلطة على خريشة، خرج يحيى رباح القيادي في حركة فتح، بوصف كوادر الحركة المطلوبين لأجهزة الأمن في طولكرم بـ"الصغار والمجهولين". وقال رباح لـ"الرسالة"، هناك قرار حازم لدى الاجهزة الأمنية لا رجعة عنه، بأن تضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه التطاول على السلطة الفلسطينية، وعليهم " أن يسلموا أنفسهم صاغرين لأجهزة الأمن".
وقد قدم أمين سر حركة فتح في طولكرم مؤيد شعبان وعدد من كوادر الحركة استقالاتهم، بسبب اعتقال الاجهزة الامنية لعدد منهم خلال الفترة الماضية، وأعلن شعبان انه في حل من اتفاقه مع عباس.
صراعات أجهزة أمنية
وللوقوف على أسرار الاشتباكات في محافظة طولكرم، رأى فادي السلامين الناشط الذي يوصف بالمقرب من دحلان، بأن الخلاف ناجم عن صراعات أجهزة امنية تحديدًا بين ماجد فرج رئيس جهاز المخابرات وزياد هب الريح مسؤول جهاز الامن الوقائي. وقال السلامين لـ"الرسالة"، "ما يجري في فتح الآن هو تصفية حسابات ومنافسة على المناصب قبل الوصول لصناديق الاقتراع.
صادق: لن نعترف بقرارات الفصل وهناك نوايا لدى السلطة بإفشال الانتخابات
وأوضح أن "الصراع الذي بات واضحا هو ان عباس فقد السيطرة على الأجهزة الأمنية التابعة له". وأشار الى أن حضور فرج لطولكرم، " هو انسحاب من صدام اعتقد بإمكانه اكتسابه وحسمه لصالحه، " لكن ردة الفعل أظهرت ضعف فرج وقوه هب الريح والحمد الله على الارض".
وأفصحت الخلافات الفتحاوية عن فشل الجهود التي أعلنت فتح عن وجودها بين تياري عباس ودحلان من أجل انجاح مشاركة فتح في الانتخابات.
حالة تخبط
من جانبه، شنّ عدلي صادق عضو المجلس الثوري لحركة فتح، انتقادًا لاذعًا لقرارات قيادة فتح بفصل أعضاء ونواب من الحركة، وقال إنه لن يعترف أحد بهذه القرارات التي تأتي في سياق حالة التخبط لدى القيادة المتنفذة في الحركة.
وقال صادق لـ"الرسالة": " لن نعترف بأي قرار فصل لأي عضو في الحركة على خلفية ما يسمونه بالتجنح، ونحن لسنا ضيوفًا عند جمال محيسن عضو مركزية فتح ولا نعيش عالة عليه أو على أي شخص بالتنظيم أو على حسابهم الشخصي"، داعياً للتصدي لظاهرة فصل أعضاء الحركة، "لأنها ستنتج ظواهر أكثر خطورة من شأنها أن تدمر البنيان الفتحاوي برمته".
خضر: فتح مدمرة والسلطة تخشى الديمقراطية
وأضاف "هناك انحراف في بوصلة من يحكم فتح، ويخرجون بقرارات تفاقم الأزمات التي تعيشها القضية الفلسطينية"، محملا مسؤولية ذلك لمجمل قيادة السلطة وليس لمحيسن فحسب " لأنه أقل وأصغر من التركيز عليه"، وفق قوله.
وأكدّ صادق أن الضفة تعاني من انفلات أمني، " وهناك استهداف لأي صوت يعترض أو ينتقد أو حتى يطالب بإصلاح الأوضاع التنظيمية، ويطاردون أي صوت ينادي بالوحدة مهما كان موقعه"، مضيفاً "هناك قبضة أمنية تريد أن تجهز على أي حالة تصحيحية للأوضاع في التنظيم".
أبوبكر: فتح غير جاهزة لخوض الانتخابات
وتوقع في ظل المعطيات السابقة، أن يؤدي ذلك إلى التأثير على مجرى الانتخابات "إن تمت فعلا"، مشككًا في الوقت ذاته بإمكانية حدوثها، "لوجود نوايا لتخريبها بشكل فعلي"، متابعًا "لست على قناعة أنها ستجرى".
وقال "بعد موافقة حماس على الدخول في الانتخابات بدأت تتراجع النوايا لدى السلطة في إجرائها لأنها شعرت بالأزمة"، وتابع "السلطة ستبحث عن أي ذريعة من خلال توتير الأجواء، والادعاء بأن الظرف لا يسمح لإجراء الانتخابات، وسيتقمص بعض قيادتها ثوب الحكمة ليعلن عن تأجيل انعقادها تحت ذريعة أن الظرف غير موات لإجرائها وأن حدوثها سيأتي بنتائج سلبية".
وأشار صادق إلى أن إعلان عباس عن إجراء الانتخابات كان في الأصل "بالون اختبار"، ومضى يقول: "كل طرف ألقى بالطعم للآخر، وشعر أبو مازن بالأزمة الحقيقية بعد موافقة حماس"، مقراً بوجود "تشاؤم من احتمالية فوز فتح في الانتخابات القادمة، خاصة في ظل أوضاعها الداخلية". وأكدّ أن هناك غيابا للتوافق الإداري حول مستقبل التعامل مع البلديات المنتخبة لو تم اجراء الانتخابات اصلا" فكيف سيتعاملون مع تمويلها وفتح الآفاق لعملها، وهل سيسمحون لها بالعمل؟".
قاعدة مدمرة
وأيد القيادي في حركة فتح حسام خضر سابقه، مؤكداً أن قيادة السلطة تبحث عن ذرائع من أجل إلغاء الانتخابات البلدية "لأنها تخشى الديمقراطية أكثر من خشيتها الاحتلال"، وقال لـ"الرسالة": "إن هذه الذرائع موجودة في عقلية القيادة المتنفذة، التي تخشى من نتائج الانتخابات"، مشيراً إلى أن موافقة حماس على دخول الانتخابات "أوجد تخوفاً بأن يتم تأجيل الانتخابات المحلية حتى إشعار آخر".
طه الحاج: انقسام عميق في الحركة مع التحضير للانتخابات
وأوضح أن وضع فتح الداخلي الذي يعاني من تفتت وصراعات، أوجد هذا الدافع، مضيفًا "الحركة غير مجمعة على شخصيات تليق أو مؤهلة لخوض الانتخابات البلدية في معظم المناطق، وهناك تشتت كبير في القاعدة الفتحاوية، وبالتالي سينعكس على نتائج الانتخابات".
وتابع القيادي بحركة فتح: "هناك خشية بأن تقدم المجالس البلدية لحماس على طبق من ذهب للمرة الثانية في ظل الخلافات الداخلية"، لافتًا إلى أن إصرار عباس على إعلان الانتخابات جاء بناء على معلومات من مستشاريه بأن حماس سترفض إجراءها أو القبول بها.
ورأى أن موافقة السلطة على الانتخابات جاءت ضمن حالة ضغط من جهات خارجية، وتحديدًا الاتحاد الأوروبي، وهو ما وافقت عليه حركة حماس. وأكدّ أن هناك تخوفا كبيرا من السلطة أن تستلم حماس الشرعية الوحيدة المتبقية لدى الشعب، وهي المجالس المحلية.
الاولوية للمصالحة الداخلية
من جانبها، أكدت نجاة أبو بكر النائب في المجلس التشريعي عن حركة فتح، أن حركتها غير جاهزة لخوض الانتخابات المحلية المقبلة، وقالت إن "من الأفضل تأجيلها حتى حل أزماتها الداخلية وتسويتها".
وأضافت أبو بكر في تصريح لـ"الرسالة"، أن أزمات الحركة تتطلب البدء في مصالحة داخلية شاملة؛ لإيقاف حالة التيارات القائمة داخلها، لأنها ستفضي إلى نزاعات في الانتخابات المقبلة، معتبرة أن الحركة، في ظل الظروف السياسية الحالية، بحاجة إلى إعادة بناء، والإسراع في عقد مؤتمرها السابع.
وحول الحديث عن فصلها من حركة فتح، أوضحت أبو بكر أنها لم تتلقَ أي مراسلة تليفونية أو مكتوبة بخصوص قرار فصلها، الذي كشف عنه جمال محيسن عضو اللجنة المركزية للحركة، في لقاء بنابلس يوم الجمعة الماضي. وعلّقت قائلة: "لم ننتم لفتح بقرار من أحد، ولسنا أعضاء في شركة ليتم فصلنا منها".
تعميق الانقسام
من جهته، أكدّ طه الحاج القيادي السابق في حركة فتح، أن الانقسام داخل أقطاب الحركة يزداد عمقا في ظل التحضير للانتخابات البلدية. وقال إنه من الصعوبة أن تتصدر فتح المشهد من جديد في ظل عدم قدرتها على الخروج من مأزقها الداخلي.
وأضاف الحاج في تصريح لـ"الرسالة"، أن الخلافات انتقلت من "ثنائية تيارات فتح إلى داخل التيارات نفسها"، في ظل الحديث عن خلاف بين جهازي الأمن الوقائي والمخابرات، الذي تسبب بمواجهات في طولكرم مؤخرا.
الحلبي: خطورة قرارات الفصل تأتي بتزامنها مع الانتخابات
وأوضح أن الدعوة لإجراء الانتخابات البلدية وسّعت رقعة الخلافات الفتحاوية الداخلية، "وليس كما كان يعتقد الفتحاويون بأنها فرصة لحدوث تقارب بين تياري عباس ودحلان"، كما قال.
وحول ما رشح عن اجتماعات عقدت بين ممثلين فتحاويين عن التيارين لدراسة المشاركة في الانتخابات، ذكر الحاج أن الخلاف ظهر منذ البداية في حديث الجانبين، وأن الخلاف زاد بعد قرار فصل النائب نجاة أبو بكر.
واعتبر أن زيادة الخلاف الداخلي لا يبشر بخير لوضع فتح في الانتخابات البلدية، مشددا على عدم وجود إرادة داخل القيادة لإنهاء الصراعات الراهنة. وردا على سؤال حول مدى إمكانية أن تستوعب فتح خلافاتها مع الآخرين في ظل فشلها في استيعاب خلافاتها الداخلية، اكتفى الحاج بالقول: "للأسف، هذا واقع سيء".