فجر قرار حكومة الحمد الله في رام الله خصم 30% من رواتب موظفين السلطة في قطاع غزة، أزمة كبيرة على مختلف الأصعدة والمستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتي تداعت لرفض هذا القرار، باعتباره "ضربة في مقتل" لما يمكن أن يخلفه من نتائج كارثية على القطاع المحاصر.
فعلى الصعيد الفتحاوي الداخلي، فقد اتفقت الأقاليم الثمانية في القطاع على تقديم استقالات جماعية من مهامهم التنظيمية في مؤتمر بغزة، مطالبين بإقالة رئيس الحكومة رامي الحمد الله من منصبه بشكل عاجل.
وكانت حكومة الحمد الله أعلنت في وقت لاحق، أن خصومات على رواتب موظفي السلطة في قطاع غزة فقط تمت لشهر مارس المنصرم طالت العلاوات وجزءا من علاوة طبيعة العمل دون المساس بالراتب الأساسي.
خارج القانون
وأجمع ساسة ومحللون على أن قرار حكومة الحمد الله بخصم رواتب موظفين السلطة في غزة" له انعكاسات خطيرة وكارثية، ويأتي ضمن خطة التصعيد الممنهجة لسياسة الخنق والحصار على أهل غزة، وتحريض على مزيد من الانقسام والانفصال".
واعتبرت نجاة أبو بكر النائب في المجلس التشريعي عن حركة فتح، أن الخصومات التي فرضت على موظفي السلطة في قطاع غزة "خارج القانون لأن الراتب حق مكتسب لا يجوز الالتفاف عليه بقرارات لا مسوغات لها".
وذكرت أبو بكر لـ"الرسالة" أن غزة جزء أصيل من الحالة الفلسطينية، ولا يجوز التعامل معها بمنطق منفرد عن الوطن، مشيرة إلى أن موظفي غزة وقع عليهم ظلم كبير، حيث لا يتقاضى الموظف أي علاوات أو أي ترقية ولا يتم تعيين أي خريج، مضيفة "لا تعاقبوا لقمة عيش الغزيين، عاقبوا الفلتان والفساد والمحسوبية وأصحاب الرواتب الوهمية".
وكان القيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان، اعتبر أن هذا الاجراء مس لقمة عيش الموظفين في القطاع، وأنه يمثل جريمة أخلاقية ومخالفة لكل القيم والقواعد يتحمل مسىوليتها رئيس السلطة محمود عباس وزمرته، متوعداً في تصريح نشره على صفحته الخاصة الفيس بوك، بالتصدي لها بكل الوسائل القانونية والسياسية والجماهيرية لإجبار "الطاغية الفاسد على التراجع"، على حد تعبيره.
"التقاعد المبكر"
وعبر الكاتب والمحلل السياسي مأمون عامر عن اعتقاده أن القرار له مبررات أبعد من الأهداف المالية، متوقعاً أن يكون الهدف الأول البارز ما ينشر عن نية السلطة إحالة موظفيها في القطاع إلى التقاعد المبكر.
ويرى عامر في حديثه لـ"الرسالة" أن لهذا الأمر مخاطر كبيرة تؤثر على مصالح الموظفين العموميين الذين رتبوا حياتهم العامة على نمط معين، ولديهم ارتباطات مالية مبنية على هذا النظام، معتبراً أنه من غير المعقول والمنطق أن تُخل حكومة الحمد الله بالتزاماتها المالية تجاه جزء من موظفيها، وأن يكون هناك تفرقة بين الموظفين في غزة ورام الله، وخاصة في هذا الوقت الحساس جداً الذي تُطرح فيه أحاديث إسرائيلية للبحث عن بدائل سياسية تقوم على فصل غزة عن الضفة.
وأكد عامر أن الخصومات على رواتب الموظفين في غزة تصعيد لسياسة الخنق والحصار على أهل غزة وتحريض على مزيد من الانقسام والانفصال، متسائلاً: إذا كانت حكومة في رام الله تعاني من أزمة مالية، وهذا أمر غير مستبعد، فلماذا لا يكون الخصم على الجميع ولا داعي للتفريق بين غزة والضفة ؟!".
وأضاف "إذا كانت الحكومة تتجه إلى تنفيذ قانون التقاعد المبكر على موظفيها، فلماذا لا تعلنه بدلاً من وضع الشارع الغزي في حالة من الإرباك؟"، وتابع: "كان الأجدر بالحكومة أن تحافظ بكل ثقلها على الترابط بين غزة والضفة حتى تحبط أي مشاريع أو خطط للفصل والانقسام".
تبعات كارثية
أما الكاتب والمحلل السياسي فهمي شراب، فقد اعتبر ما أسماها "مجزرة الخصومات" الجديدة لموظفي السلطة بغزة "مرحلة جديدة وخطيرة في منهج تهميش قطاع غزة، وتأكيداً بأن منهج الإقصاء قد وصل لمرحلة يجب عدم السكوت عليه، وأن هذا القرار له تداعيات وتبعات كارثية على غزة واقتصادها المتهالك أصلاً"، مؤكداً أن هذا الإجراء غير القانوني يعرض الشعب الفلسطيني للتهلكة والجوع والمرض، الأمر الذي يصب في صالح الاحتلال.
وطرح شراب في حديثه لـ"الرسالة" تساؤلات عدة حول كيفية تذرع صانعي القرار في رام الله بأن سبب الخصومات هو الضائقة المالية الخانقة؟، ولماذا تطال الضائقة المالية موظفي غزة فقط دون الضفة؟، ولماذا يقع الظلم فقط على موظفي غزة؟، وأليس في ذلك تكريساً لمنهج العنصرية البغيض الذي يتم ترسيخه بقرارات عمودية هابطة من أعلى الهرم القيادي لقواعد جميع الموظفين؟، وألا يكفي أنه منذ الانقسام 2007 لا يتم توظيف أحد من أبناء غزة ومن يتقاعد من أبناء غزة، يأخذ شاغره آخر من الضفة الغربية؟.
وأوضح شراب أن سلطة رام الله تتحصل ما يقارب 90 مليون دولار شهرياً ما بين إيرادات ضرائب، وتلقت مؤخراً 30 مليون دولار من السعودية و28 مليون من الجزائر، داعياً قيادة السلطة في رام الله أن "تتوقف عن هذه السياسات العنصرية المقيتة وألا تكيل بمكيالين".
وطالب وزراء حكومة التوافق وخاصة وزراء غزة أن يكون لهم صوت وكلمة، وأن لا يستمرؤوا الصمت والذل والامتهان، مستدركاً "وان عجزتم عن التأثير فأشرف لكم تقديم استقالاتكم حتى لا تكونوا شهود زور على هذه المخالفات والاعتداءات على حقوق الموظفين".