لم يكتف الرئيس محمود عباس بافتعال أزمات غزة فحسب، بل وقف حجر عثرة أمام أي محاولة لفكفكتها، سواء كان عبر وسطاء اقليمين او دوليين، وتجلّى ذلك بإقرار السفير القطري محمد العمادي في لقاء جمعه بالصحفيين في غزة عندما أعلنها صراحة "حل أزمة كهرباء غزة يحتاج لإرادة سياسية".
الرئيس عباس ركل بقدمه مبادرة رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، بعد أسبوع فقط من لقاءات جمعت "حماس" و"فتح" في بيروت برعاية اللواء عباس إبراهيم مدير قوى الامن العام اللبناني.
وعقب فضّ اللقاءات التي اتفق الطرفان على استكمالها بعد ثلاثة أسابيع، أعلن الرئيس من البحرين عن سلسلة من اجراءاته العقابية ضد غزة، بدأها بخصم رواتب الموظفين وقطع رواتب اخرين منهم، والايعاز بمنع توريد وقود الكهرباء والمياه إلى غزة.
وكانت مبادرة بري بداية وضع قطار المصالحة على السكة، لكن سرعان ما أطاح بها عباس عبر اجراءاته، ليعلن وفاة هذه المبادرة، وفق مصادر لبنانية تحدثت لـ "الرسالة".
لقاءات بيروت حاولت احتواء المبادرة القطرية التي خرجت بحل لأزمة المصالحة، وفي القلب منها الازمات الثلاث "رواتب موظفي غزة، وتفعيل المجلس التشريعي، واجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية".
وأصرّ عباس على موقفه بعدم إدراج الموظفين على سلك السلطة المالي، وهذا يعني عدم الاعتراف بهم، متذرعًا بعدم وجود ميزانية لدى السلطة لصرف رواتبهم.
وتدخل الوسيط القطري ليطرح فكرة انشاء "صندوق" لصرف رواتب الموظفين مدة ستة أشهر، وهي الفترة المطلوبة لدمج الموظفين عبر اللجان القانونية والفنية التي سيتم تشكيلها بموجب اتفاق المصالحة، إلا أن الرئيس ركل هذه الفكرة، ودعا قطر لتدشين الصندوق لصرف الرواتب على الموظفين بدون سقف زمني، ما يعني أن تتولى هي هذا الملف.
ورفض عباس المقترح القطري بتفعيل المجلس التشريعي في بداية الأمر، ثم وافق بعد ان أعلنت حماس عن خطوات من شأنها أن تتخلى عن جزء كبير من استحقاقات أغلبيتها البرلمانية، فيما أصرّ على إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية دون الوطني.
لاءات الرئيس عباس الثلاثة تجاه المبادرة القطرية، كانت كفيلة بوأدها قبل أن تولد، وكانت هذه المبادرة الأكثر وضوحًا لخارطة الطريق في حل معضلة المصالحة الفلسطينية.
ثم بعد إثارة الرئيس أزمات غزة، تدخل عدد من الوسطاء لفكفكة أزمات غزة، أبرزهم السفير القطري محمد العمادي والمبعوث الأممي للشرق الأوسط نيكولاي مالدينوف والسفير التركي في غزة مصطفى سيرنيتش، والتي هدفت بمجملها لحل الازمات الإنسانية وتحديدا ازمة الكهرباء.
وطبقًا لمصادر مطلعة على المباحثات تحدثت لـ "الرسالة" فإن مالدينوف الذي توسط لحل ازمة الكهرباء، نقل الى سلطة الطاقة بغزة شروط نظيرتها في رام الله، وأعلنت الأولى موافقتها الكاملة عليها.
ومما تضمنته المقترحات إعادة تشكيل مجلس إدارة كهرباء غزة، وترتيب آليات لتوسيع الجباية، وإيجاد جهة مراقبة محايدة على حسابات الشركة.
وردًا على هذه الموافقة، تنصلت سلطة الطاقة في رام الله من شروطها واعتبرتها مقترحات مقدمة من الطاقة بغزة، وأعلن رئيسها ضافر ملحم رفضه التام لها بذريعة تكريسها للانقسام، واشترط تمكين حكومة التوافق في غزة قبل الحديث عن أي حلول، وبذلك أجهضت مبادرة مالدينوف.
اما السفير القطري فلم تتضح طبيعة الوساطة التي يقوم بها، لكنه لخصّ الأزمة بجملة خلال اجتماع مع صحفيين بغزة حضره معدّ التقرير، قال فيه "إن حل الازمة تحتاج لإرادة سياسية"، في إشارة الى ان الامر بيد الرئيس عباس.
يذكر أن صحيفة الرسالة كانت قد نشرت تقريرًا في التاسع من يناير مطلع العام الجاري، كشف فيه عن ثمانية مشاريع استراتيجية لحل ازمة الكهرباء رفضها أبو مازن برمتها، ثم انتهى المطاف به بإقالة رئيس سلطة الطاقة الأسبق عمر كتانة، بعد توصله لتفاهمات مبدئية مع الرباعية الدولية والسفير القطري خلال اجتماعات جمعت بينهما في لندن.
وأعلن ملحم لـ "الرسالة" أن المباحثات التي جرت "هي في سياق الزمن القديم"، وأن البحث عن الحلول الراهنة "أمور ستطرح من جديد"، في إشارة الى التنصل من التفاهمات والاتفاقات السابقة التي توافقت عليها الأطراف المختلفة مع كتانة.
وعلمت "الرسالة" أن قطر بصدد ترتيب لقاءات بين حركتي "حماس" و"فتح" في المرحلة المقبلة، دون ان يحدد موعد لذلك.
وقد وصل السفير التركي سيرنيتش الى قطاع غزة قبل عشرة أيام، التقى خلالها الفرق الفنية في سلطة الطاقة لاستكمال المباحثات حول حل ازمة الكهرباء، ولكنها جميعًا تصطدم برفض الرئيس.
ومن أبرز الحلول المطروحة لأزمة الكهرباء امداد المحطة بخط غاز، وجرى تخصيص مكان لها في شارع صلاح الدين، وفق السفير القطري، وزيادة الكميات الواردة من الجانب الإسرائيلي، إضافة لبحث خط الربط الثماني.
وتظهر هذه العقبات رغبة الرئيس في اغراق غزة بالأزمات، والتخلص منها تمامًا املا في الإطاحة بخصمه السياسي متمثلاً بحركة حماس.