أنظمة خائرة وشعوب ثائرة

بقلم: محمد إسماعيل ياسين /كاتب وإعلامي فلسطيني

لا تحمل المواقف الباهتة للأنظمة العربية تجاه القرار الأمريكي الأخير باعتبار مدينة القدس عاصمة لكيان الاحتلال الإسرائيلي الغاصب أي جديد، فتلك الأنظمة لا يسمع لها صوت قوي ولا يرى لها سوط فتاك إلا في إطار خلافاتها مع معارضيها وقمعها لشعوبها الحرة الثائرة، والواقع الراهن حافل بالشواهد الدالة على ذلك، ويتقدمها السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس الذي يتفنن في معاقبة أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة في إطار صراعه مع خصمه السياسي حركة حماس بينما تحتار من ليونة مواقفه تجاه الاحتلال الإسرائيلي في مختلف المحطات، مجسداً بذلك قول الشاعر: "أسد عليّ وفي الحرب نعامة". 

وبعيداً عن العواطف وقريباً من واقع الحال، فمن ينتظر من الأنظمة العربية المهترئة نصراً للقدس فليسارع فوراً لنفض غبار الوهم عن عقله، وليفرك عينيه جيداً ليبصر الحقيقة المرة، فتلك الأنظمة لا يُنتظر منها سوى المزيد من الخذلان لقضية الأمة المركزية، فما عادت تملك أي ورقة توت تستر عوراتها أمام الشعوب الحية، وباتت أعجز ما تكون عن مواصلة دورها الزائف والمخادع عبر الشعارات الرنانة حول حماية المقدسات ورفض المساس بها بحال من الأحوال، فحتى بيانات الشجب والاستنكار المستهلكة باتت تصدرها متأخرة، فضلاً عن كونها لا تغني ولا تسمن من المواقف العملية المطلوبة لنصرة القدس شيئاً.

إن الدفاع عن مدينة القدس ونصرتها شرف لا تستحقه تلك الأنظمة الموغلة في استباحة دماء شعوبها سواء بإراقتها جهاراً نهاراً أو بامتصاصها بشتى سبل التضييق المتبعة في كتم أنفاس المواطنين وكبت حرياتهم حتى بات بالإمكان القول بكل أريحية: "بلاد القمع أوطاني"، فاستنزاف المواطن العربي وإرهاقه في اللهاث خلف متطلبات حياته وإغراقه بالهموم الداخلية دأب الأنظمة لحرف بوصلته عن الاهتمام بقضايا الأمة وفي مقدمتها قضية القدس.  

لقد آن الأوان لنفض اليد من كل متقاعس عن نصرة مدينة القدس، وكل من ينتظر المناشدات والدعوات حتى يتحرك لنجدتها، فما عاد هناك وقت لاستصراخ أمثال هؤلاء، وإضاعة الجهود في التعويل على يقظتهم، فمن لم يحركه إيمانه العميق بقدسية المسجد الأقصى المبارك، ولم تستفزه العقيدة الراسخة بالأرض المباركة، فلا حاجة للأقصى به، فلا تحرير لقبلة المسلمين الأولى إلا بالمشائين بالظلم إلى المساجد، وغير ذلك، مجرد أضغاث أحلام تمكن المحتلين الغاصبين من تدنيس طهر الأقصى.

إن صيحات الغضب التي دوت في العواصم العربية والإسلامية ما هي إلا تعبير صادق عن وجدان الأمة النابض بحب القدس والمسجد الأقصى المبارك، وهي تأكيد جديد على أن كل محاولات إلهاء الشعوب الحرة عن مسرى النبي الكريم ومعراجه إلى السماء عاجزة عن حرف بوصلة الأمة رغم جراحها النازفة، فمهما سادت الاختلافات والتباينات تبقى قضية فلسطين ومدينة القدس ومسجدها الأقصى المبارك أيقونة الوحدة التي تجمع المسلمين في شتى بقاع الأرض باختلاف ألوانهم وأجناسهم وألسنتهم.

وستبقى معركة القدس شاهدة على كل من يخذلها، وسيسجل التاريخ بحروف من قطران تقاعس المتقاعسين عن نصرتها، كما سيسجل بحروف من نور مواقف نصرتها ونجدتها، فالاحتلال الإسرائيلي الغاشم وإن طال أمده فمصيره إلى الزوال، وكل محطات التاريخ والواقع تثبت بما لا يدع مجالاً للشك، أن كلفة الهوان تزيد أضعافاً مضاعفة عن تكلفة العزة والكرامة، غير أن الأولى تُدفع مفرقة وبأشكال مختلفة، والثانية تُدفع جملة واحدة بصور وأشكال لا شك أنها مؤلمة غير أنها السبيل الوحيد لنيل الحرية وتحقيق السيادة والكرامة.