لا يختلف اثنان على أن مسيرة العودة الكبرى تسببت في حالة ارباك لمنظومة الاحتلال بأكملها، لا سيما وأنها نجحت في إعادة القضية الفلسطينية إلى الصدارة عالميا وفي احراج "إسرائيل" على المستوى الدولي.
حالة الإرباك والأزمة الداخلية التي تسببت بها المسيرة انعكست بشكل واضح على تعامل الاحتلال معها ومحاولته خلط الأورق عسكريا باستهداف المتظاهرين أو التهديد بقصف عمق قطاع غزة، إلى جانب الدفع الدولي عبر بعض الأطراف للضغط على حركة "حماس" من أجل وقف المسيرة؛ مقابل ثمن سياسي.
جهود دولية
ونقلت صحيفة جيروزاليم بوست العبرية عن مسؤول مصري أن مصر والسعودية تواصلتا مع حركة حماس لإنهاء المظاهرات السنوية الخاصة بمسيرة العودة الكبرى.
وقالت الصحيفة العبرية نقلًا عن مسؤول بالخارجية المصرية إن القاهرة عرضت مقابل وقف المظاهرات ضمان فتح معبر رفح الحدودي، وإن ذلك جاء تحت إشراف الرياض.
وفي السياق، أكدت مصادر دبلوماسية مصرية أن وفداً أمنياً إسرائيلياً زار القاهرة، لبحث سبل تحجيم تظاهرات مسيرات العودة، لعدم جرّ المنطقة إلى حرب جديدة، لافتة إلى أن تلك التظاهرات أصابت الجانب الإسرائيلي بارتباك كبير، خصوصاً أنها ليست مسلحة من جانب الفلسطينيين، وهو ما يضع الاحتلال في مأزق أمام العالم.
وأضافت المصادر أن سلسلة اتصالات أجراها المسؤولون في جهاز الاستخبارات المصري بالفصائل الفاعلة على الأرض في محاولة لمنع تصاعد الأزمة، مشيرة إلى أن القاهرة تدرس مجموعة من المقترحات، في مقدمتها فتح معبر رفح، بشكل استثنائي لمدة أسبوع، والسماح بدخول مزيد من شحنات المساعدات العاجلة لحلحلة الأوضاع في القطاع، ومنع انفجاره.
خدمة "إسرائيل"
ويؤكد الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل أن الحراك الدولي باتجاه إيجاد مخارج وحلول وتسويات لمسيرة العودة هو حراك في خدمة "إسرائيل" ومحاولة إخراجها من المأزق، مبينا أنه من غير الممكن بات بالنسبة للفلسطينيين وقفه قبل تحقيق انجاز كبير هو رفع الحصار.
ويوضح عوكل في حديثه لـ "الرسالة" أنه من المبكر الحديث عن تحقيق تفاهمات أو حلول حول وقف المسيرة في ظل تهديدات الاحتلال وتصعيده ضد القطاع، مشددا على أن أي عروض أو إغراءات ثانوية بدون ضمانات لن تكون مقبولة لوقف هذا الحراك الشعبي.
ويشير إلى أن مسيرة العودة قادرة على تحقيق ثمن كبير، لا سيما وأنها ضربت استراتيجية تعامل الاحتلال مع القطاع وفرضه للحصار منذ سنوات، متوقعاً أن ينجم عن هذا الحراك الشعبي تحريك للمصالحة الفلسطينية أو أن يحدث خرق في جدار الحصار المفروض على غزة.
ويتفق الكاتب والمحلل السياسي مصطفى الصواف مع سابقه، مشيرا إلى أن المساعي الدولية لوقف المسيرة دافعها الاحتلال الإسرائيلي الذي أُصيب بألم كبير منها، وخاصة مع وجود خشية من تواصل المسيرة واقتحامها للحدود في آخر أيامها.
وبيّن الصواف لـ "الرسالة" أن هذه المساعي هدفها كسر مسيرة العودة ووقف زخمها الشعبي مقابل فتح المعبر أو بعض التسهيلات الإنسانية، مشددا في الوقت ذاته على ضرورة المضي بالمسيرة حتى تحقيق كامل أهدافها.
ولفت إلى أن بعض الأطراف تحاول أن تحول الحراك لفصائلي وإفقاده الزخم الشعبي بالتواصل مع الفصائل ومحاولة الضغط عليها لإيقافه.
وفي نهاية المطاف يمكن القول إن الشعب الفلسطيني الذي ابتكر طرق جديدة لمواجهة الاحتلال قادر على مواصلة طريقه وتحقيق أهدافه دون الالتفات إلى أي ضغوط هنا وهناك.