رصاصة (إسرائيلية) قتلت حلم الطفل الأصم بسماعة طبية!

والدة الشهيد الطفل تحرير وهبة
والدة الشهيد الطفل تحرير وهبة

الرسالة نت - أمل حبيب

الآن فقط أسمعكِ، بإمكاني تمييز نبرة صوتكِ للمرة الأولى، تبدو دافئة جدًا وأنتِ تناديني، " تحرير" ثم تعودين للنداء مرتين، أحببت اسمي الآن فقط يا أمي، ألا تسمعينني الآن!

فقط.. زرعتْ فوق جبينه قُبلة، وشدته إلى صدرها مرة ثم مرة أخرى، لم يكن حدثًا يوميًا متكررًا، كان استثناء، ضحكته استثناء، وحركة يديه استثناء، وإشارته لقلبه ليخبر أمه "أنا بحبك" كانت أيضًا استثناء، كما رحيله حين فكر أن يقترب من "يبنا" بلدته الأصلية، خطواته صوب ذاك السياج الحدودي رافعًا بسبابته والوسطى شارة النصر كان الاستثناء الأخير!

طائرة ورقية!

قبل ليلة واحدة حضر الطفل الأصم تحرير وهبة 17 عامًا إلى أمه وأشار لها بكفيه "بدي أسافر"، كان حلمه الأكبر أن يركب في أذنيه سماعة داخلية، عله يدرك الأصوات من حوله، كان يكرر الطلب لوالده "سماعة" لم يسمع صوت حلمه أحد، فقط سمعته السماء فحلق وحده!

أم الشهيد التي تكورت حول نفسها في مدخل بيتها بمنطقة "معن" شرقي خانيونس جنوب القطاع، خاشعة تخال حولها هالة من السكينة والسلام، لن تدرك حتمًا أنها تتلاشى دون "تحرير" إلا عندما تقف معها أمام ثلاجة الموتى وتقول لك "طلعوه من الثلاجة وحضنته".

"لماذا أراك عند كل شيء، قبل كل شيء، عند رغيف الخبر، عند لمة المساء؟" بكت كثيرًا وهي تتساءل أمامنا، كلما تستحضر سؤالًا جديدًا كانت تخفي وجهها بكفيها، كانت تحترق!

لم يخبر أمه قبل توجهه للحدود، أخبرتنا بذلك شقيقته فرح فقد خرج بصمت، يدرك ستمنعه، وربما ستلحقه كما فعلت بالجمعة الأولى في الثلاثين من مارس، يدرك أيضًا أن لغة الإشارة التي يستخدمها لن تسعفه هذه المرة ليخبرها عن دافعه للمشاركة في مسيرة العودة!

على الحدود يشرعن المحتل قتل الطفل والشيخ، يشرعن حرق الأرض، كما حرق القلب لحظة الفقد، " أم تحرير" لم تجد ما يطفئ قلبها، يبدو أنها لن تجده بعد رصاصة واحدة غادر بعدها واستقرت هي في رأسه!

على حائط غرفة تحرير رسم العلم الفلسطيني، جميع الألوان كانت حاضرة، تؤكد "فرح"  أن شقيقها الشهيد كان يهوى الرسم، أشارت لنا إلى ثلاث فراشات على الحائط المقابل، وأخرى كانت كمخطوطة على باب غرفة أمه حيث حفر هذه الجملة.. "المجاهد البطل تحرير وهبة"!

أمام شاشة التلفاز حملق تحرير حين كان في السابعة من عمره، "لماذا تصوب البندقية على رأس طفل صغير؟" تساءل يومها، وفي العاشرة والخامسة عشر والسابعة عشر صرخ حين أحرق المحتل الإسرائيلي عائلة دوابشة في الضفة المحتلة، وبكى حين اعتقل الصغار في القدس، وانتشى فرحًا حين امتلكت عهد التميمي قوة بداخلها تفوق عتاد الجندي العسكري، "أدرك الوطن من شاشة التلفاز" يقول والده!

15 شيكلًا من مصروفه كان ثمن حلمه بكأس فاشتراه لنفسه، لم يهمس في أذن شقيقته المقربة منه، بل غمز لها لتلحقه الى غرفته، أخرج من الخزانة كأسًا ذهبي اللون، وقال لها بالإشارة " كنت بحلم أصير لاعب كرة قدم ويكرموني بكأس"!

"فيونكة" حمراء اللون ارتداها يوم زفاف قريب له، وضعها حول الكأس ووضعه فوق طاولة بغرفة أمه، آملًا بأن يتحقق حلمه، بقي الكأس وغادر هو والحلم!

ثلاثة وعشرون يومًا قضاها تحرير في العناية المركزة بعد إصابته في الأول من نيسان، جهاز التنفس كان يصرخ حتى صمت فجأة يوم 23 من نيسان الماضي، أحضروه ملفوفًا بكوفيته التي أحاطت حول رقبته خلال مشاركته في مسيرات العودة.

ليلًا يفتقد البيت "تحرير" جميعهم يفتقدون إشاراته لهم، أمه تبكيه فلن يوقظها لتتناول أقراص الفلافل مع إخوته، تقول :" كان يشتغل مع جيراننا في قلي الفلافل، يرجع على البيت بعشرة شواكل، ويجيبلهم فلافل"، كانت أطول جملة لها طيلة تواجدنا في منزل تحرير، تمالكت نفسها دون بكاء، ثم انهارت، كانت تسألنا دون أن نسألها، ودون أن نتمكن من الإجابة: "كيف بدي أنساه، إذا فتحت عيوني بشوف تحرير، إذا نمت بشوف تحرير، إذا أكلت بشوف تحرير".

كان يهون عليها نوعًا ما استقرار صورة له بجوارها، كان مبتسمًا، عيناه تلمع، لكن "الفراق صعب" قال والده فجأة قطع بذلك صمت الصورة وبكاء أمه!

"تحرير راح وراح ييجي مليون تحرير ويحرروها بإذن الله" كأنها كانت جملتها الختامية، أم تحرير التي باتت تحمل لقبًا جديدًا ستعتاد عليه "أم الشهيد" هي على يقين بأن فلسطين ستنجب الحرية، لكنها لم تجد إجابة "لماذا قتل الاحتلال الإسرائيلي الطفل الأصم تحرير وهبة.. يبقى السؤال ولا نجد إجابة"!