مكتوب: حراك العودة: بين الإنجاز والتضحيات

صورة ارشيفية
صورة ارشيفية

د.صالح النعامي

من المشروع أن يتم الأخذ بعين الاعتبار عنصر التناسب بين التضحيات والإنجازات في كل مسار نضالي وطني. لكن مسارات النضال الوطني لا تخضع للحسابات المادية الجامدة، بل تكون عرضة لكثير من التأثيرات، وعلى رأسها: موازين القوى، البيئة الداخلية، الواقع الإقليمي وغيرها.

البعض يستعجل النتائج ويرى أن التضحيات التي قدمت على هامش حراك العودة الكبرى حتى الآن أكبر من النتائج.

لكن قبل الإحاطة بالإنجازات التي أسفر عنها الحراك حتى الآن، فإنه من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هناك مثبطين لا يتقنون إلا مهارة بث الأراجيف بهدف ضرب الروح المعنوية خدمة مصالح أطراف آخر ما يعنيها الشعب ومصالحه. ويعمد هؤلاء إلى استغلال التضحيات التي تقدم في سبيل تحقيق الأهداف الوطنية لتسويغ مواقفهم وللتدليل على صوابها.

وقد مثل سقوط العدد الكبير من الشهداء يوم الإثنين الأسود على هامش حراك العودة مناسبة لهؤلاء أن يخرجوا من جحورهم لكي يتخذوا ذلك مسوغًا لإضفاء الشرعية على مزاعمهم بأن حراك العودة هو جهد عابث لن يفض إلى تحقيق أي نتائج، باستثناء سقوط الشهداء والجرحى والدماء.

وعلينا أن نذكر هؤلاء بقائمة من إنجازات حراك العودة الاستراتيجية:

  1. إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية وثوابتها؛ حيث قلصت مستويات وحدة الجدل حول بؤر الاستقطاب الداخلي الفلسطيني، سيما في أعقاب فشل جهود المصالحة.
  2. تسليط الأضواء على قطاع غزة وأوضاعه الاقتصادية والإنسانية المتدهورة وهو ما أثر على مواقف عديد من القوى الدولية ودفعها إلى المطالبة بتحسين الأوضاع في القطاع.
  3. نظرا لأنه قد تم تصميم فعاليات المسيرات للتأكد من رفض التنازل عن حق العودة للاجئين، فإن هذا الحراك سيسهم في إسدال الستار على أي إمكانية لتوفير بيئة داخلية فلسطينية تسمح بتمرير "صفقة القرن.
  4. حسنت من قدرة المقاومة في غزة على استعادة زمام المبادرة في الساحتين الداخلية والإقليمية والدولية، حيث إن أي تحرك إقليمي أو دولي سيحاول احتواء الأوضاع الأمنية في أعقاب انطلاق مسيرات العودة وما يترافق معها من احتكاك مباشر بين عشرات الآلاف من المواطنين الفلسطينيين وقوات الاحتلال؛ سيأخذ بعين الاعتبار مواقف المقاومة وشروطها وسيمنحها القدرة على استعادة زمام المبادرة، بعد أن كانت مجالًا للتأثير في الآخرين.
  5. تحسين مكانة المقاومة في العلاقة مع الإقليم، سيما مع مصر، وهذا ما يفسر الاهتمام غير المسبوق بنظام السيسي بالتواصل مع قيادة حركة حماس.
  6. حسن المزاج الوطني في القطاع بشكل كبير بعد أن فتح آفاقًا جديدة للنضال.
  7. أحدث تحولًا على بيئة الصراع مع إسرائيل من خلال تبني مبدأ المقاومة الشعبية الذي يمثل تحديًا كبيرًا لإسرائيل بسبب كلفته على صعيد المكانة الدولية.
  8. على الرغم من تبجح محمود عباس، إلا أن حراك العودة عرى السلطة الفلسطينية،  حيث إن الوقائع على الأرض تحرجها وتقلص هامش المناورة أمام قيادتها. في الوقت ذاته فإنه في حال حدث انفلات للأوضاع الأمنية في الضفة فإنه سيفضي إلى تعزيز الاحتكاك بين الشعب الفلسطيني وإسرائيل، مما يفقد قيادة السلطة وظيفتها الأمنية لدى الاحتلال.

من المهم استخلاص كل العبر المطلوبة، التنظيمية، الفنية، وغيرها وتطبيقها، لكن حراك مسيرات العودة يجب أن يتواصل بوصفه مسار المقاومة الذي سمح لغزة باستعادة زمام المبادرة

رغم الألم والشهداء والدماء، علينا أن نتذكر أن إسرائيل تدفع ثمنا أمنيا يتمثل في استنفار نصف قوتها البرية، وتراجع مكانتها الدولية، علاوة على أنه يعري المتواطئين الداخلين والإقليميين.

وللمثبطين الذين تسوؤهم مواقف الشرف والعزة لأنها تكشف جبنهم وسقوطهم، فإنه من الأهمية الإشارة إلى ما رواه الشاعر الصهيوني حاييم غوري عن القائد الصهيوني دفيد بن غوريون بأنه قال عندما سمع عن استشهاد الشيخ عز الدين القسام في نوفمبر 1935 في مواجهة مع الاحتلال البريطاني قال: " هذا أعظم فعل أخلاقي أقدم عليه العرب هنا، مقتل هذا القائد سيؤسس لمرحلة جديدة ستمثل تحديا كبيرا لمشروعنا في المستقبل".

فالتضحيات هي التي تخط طريق التحرير.

 

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من سياسي