الكرّارون

صورة ارشيفية
صورة ارشيفية

محمد شفيق السرحي

من الاستراتيجيات المعاصرة، في ما يسمى بحرب العصابات، استراتيجية "الكر والفر"، وقد أشار كتاب ربنا تبارك وتعالى، في معرض حديثه عن فقه الجهاد في سبيل الله تعالى، وأدواته وغاياته، خاصة في سورة الأنفال، وغزوة بدر الكبرى:وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (الانفال: (16، وفي هذا أيضا يقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: " الحرب خدعة "، وقول عمر رضي الله عنه: " لستُ بالخِبِّ، ولا الخِبُّ يخدعُني".

ان مرأى الشباب الثائر في مسيرة العودة الكبرى، وحركة الكر والفر، والتكتيك الذي يصنعونه، خاصة في استراتيجية " الأطباق الحارقة "، وغيرها، تذكرك بما كان في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما في غزوة مؤتة خاصة، ففي الأثر: " عن عروَةَ بنِ الزُّبيرِ قال: فلما دَنَوا من المدينةِ [ أصحابُ مؤتَةَ ] تلَقَّاهُمْ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ والمسلمونَ قال ولقِيهُم الصِّبيانُ يشتدُّونَ ورسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ مُقبِلٌ معَ القومِ على دَابَّةٍ، فقال: خُذوا الصِّبيانَ فاحمِلوهُمْ وأَعطونيَ ابنَ جعفَرَ فأُتِي بعبدِ اللَّهِ فأخذَهُ فحَملَهُ بينَ يديهِ قال وجعلَ النَّاسِ يُحثونَ على الجَيشِ التُّرابَ ويقولونَ يا فُرَّارُ فَررْتُمْ في سَبيلِ اللَّهِ، قال: فيقول رسول الله صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ " ليسوا بالفُرَّارِ ولكنَّهُمُ الكُرَّارُ إن شاء اللَّهُ ".الراويعروة بن الزبير |المحدثابن كثير المصدرالبداية والنهاية، الرقم: 4/253 | خلاصة حكم المحدثمرسل.

لقد شكل احتضان المشاركين في مسيرة العودة، واحتشاد الأعداد المؤازرة لهؤلاء الشباب الثائر، من الرجال والنساء وكبار السن، ومساعدتهم وتحفيزهم، فئة ينحاز إليها الثائرون، ليتحرفوا في إغاظة العدو المجرم، وتأثيرا بالغا، في حالة الإبداع الثوري، والتكتيكي على صعيد الأدوات التي أصبح تأثيرها واضحا مؤلما للعدو الصهيوني باعترافه، ليتجسد " الكر والفر " كضرورة.

ومن المعاني الاستراتيجية التي يحملها تكتيك " الكر والفر " كضرورة شرعية حربية، ديمومةُ التخطيطِ والفكر، وإعمالِ العقل، والنَفَس الطويل " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 200): آل عمران) والابتعاد عن الاستخزاء والانهزام النفسي، في المعارك، فالحرب سجال، ولها صولة وجولة، ففي الحديث: " أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: رأيتُ كأني في دِرْعٍ حصينةٍ ورأيتُ بقرًا تُنحَرُ فأَوَّلتُ أنَّ الدِّرعَ الحصينةَ المدينةُ وأنَّ البقرَ نفَرٌ واللهِ خيرٌ قال فقال أصحابُه لو أنا أقمنا بالمدينةِ فإن دخلوا علينا فيها قاتلْناهم فقالوا واللهِ يا رسولَ اللهِ ما دخل علينا فيها في الجاهليةِ فكيف يدخل علينا فيها في الإسلامِ فقال شأنُكم إذًا فلَبِسَ لَأْمَتَه قال فقالت الأنصارُ رَدَدْنا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رأْيَه فجاؤا فقالوا يا نبيَّ اللهِ شأنُك إذًا، فقال: إنه ليس لنبيٍّ إذا لبس لَأْمَتَه أن يضعَها حتى يُقاتِلَ."

الراويجابر بن عبد الله المحدثالهيثمي المصدرمجمع الزوائد الرقم: 6/110 | خلاصة حكم المحدثرجاله رجال الصحيح.

فيا أيها الكرارون أنشدوا حُداؤكم:

وقد عَـلِم ِ العـادُون أنَّـا أُسُودُهـــا متى جمعتنا في الخطوب ِ المَجامِـعُ وإنَّـا لكرَّارون في الحربِ خُدعـة ونغشى الوَغى صِيداً وما نحن نَفزعُ.