في فلسطين.. كل مناسبة تفتح صنبور الذكريات الموجعة، تنكأ جروحًا ظن أصحابها أنها غافية قليلًا!
بعكازتين سيذهب بعض الجرحى اليوم إلى مقاعدهم يجرون آلامهم، وطفل آخر سيكون حاضرًا بروحه في الفصل لأن رصاصة غادرة اغتالت أحلامه وأمله أن يكون مهندسًا او طيارًا، كما سيكون هناك أكاليل ورد وصور كثيرة تملأ مقاعد فارغة إلا من الألم!
كما ستنبش الساعة السادسة صباحًا نتوءًا كثيرة في قلوب أمهات الأسرى والأسيرات الذي غيبت براءتهم خلف زنازين القهر!
"غرس مازن"
آهٍ على أحلام لم تكتمل! وعلى لحظات يتمنى الإنسان لو أن أحبته يشاركونه بها، ها هو "محمد" يشق طريقه الدراسي في أولى خطواته، خطوات تؤلم والدته كثيرًا، لأن والده الشهيد "مازن فقهاء" قد رحل شهيدًا.
تؤلمها لأن والده كان يعد الأيام بدقائقها وثوانيها كما تقول منتظرًا أن يأتي اليوم الذي يلتقط فيه صورة له في أول مرة يرتدي فيها "محمد" زيه المدرسي، كان يسأله كثيرًا عن اللعبة التي يريد أن تلتصق بحقيبته المدرسية، كيف سيقضيان معًا طريق مدرستهما!
بيد "محمد" أمسكت "ناهد" جيدًا، فهذا غرس "مازن" وثمرة حياته معها.. هذا "محمد" الذي تحدى به والده كل الأحكام الواهية التي حكمها عليه القاضي في محكمته الظالمة، بأنه لن يرى الشمس وأنه سيقضي جل عمره يتخبط في عتمات السجون.
"كنت أتمنى أن يكون مازن يمسك بيد محمد الأخرى"، كان حلمها منذ أن بدأ طفلهما يكبر وتكبر فرحة والده به، باحت لـ"الرسالة": "غُص قلبي كثيرًا حين دخلت به وحدي وسجلته وحدي"، فهي تعلم جيدًا أنه يؤلمه غياب أبيه حين يرى بهجة الآباء هناك.
غصة وفرحة!
ثمانية عشر عامًا مر على نفس الغصة، نفس الدموع، نفس الموقف الذي أبكى زوجة الأسير "عمار الزبن" حين أوصلت ابنتها الكبرى بشائر إلى مدرستها بعد أسر أبيها والحكم عليه بستة وعشرين مؤبدًا و25 سنة!
شريط الذكريات الطويل مرَّ بتفاصيله على تلابيب عقل زوجة "الزبن"، منذ أن قال القاضي لزوجها مستهزئًا: "حلمك انه يصير عندك ولد ارفعه من راسك.. انت بهالسجن لحد ما تموت"!
كانت الكلمات حادة، والصراخ قاسٍ، شعرت أن قلبها قد تمزق حين كان القاضي يضحك كثعلب ماكر، فماذا عن حلم عمار أن يحمل اسمه ولد!
وماذا عن أمنيته أن يحمل طفلًا يسميه على اسم رفيق دربه الشهيد "مهند الطاهر"! ومن لي ولأخواته "بشائر وبيسان".. من سيكون لهن سندًا في غياب رب البيت.. أسئلة أخرى موجعة كلها تواردت إلى قلبها.
مشهد آخر قفز إلى ذاكرتها حين قال لها مهند "ماما جهزت يلا على المدرسة"، أعادها إلى ليلة إخبار "عمار" لها أنه يريد أن يهرب نطفة له من داخل زنزانته.. قبل أن يقطع أفكارها قول "مهند" مبتسمًا: "صوريني عشان نبعت الصورة لبابا بالسجن".
"بشائر" لا تتمنى شيئًا سوى أن يتحرر والدها وألا يعيش شقيقها حسرة قلبها التي شعرت بها خلال مشوار حياتها.
على باب الروضة بكت "بشائر"، وسألت أمها كثيرًا: "ليش كلهم جاي معهم أبوهم إلا أنا"، وعلى منصة التخرج قبل شهرين بكت أيضًا فهي التي تفتقد بهجة الآباء ونظراتهم وعناقاتهم.
"مهند" كان أول تجارب الاسرى في تهريب النطف من داخل السجون، لإنجاب أطفال يتحدون بهم مؤبدات الاحتلال.. كان أول أمل لكل أسير يحلم أن ينادى "بابا"، فقد وصل عدد أطفال النطف المهربة "61" طفلاً!
"بدري يا معلمتي"
"بدري يا معلمتي" كانت كلمة "محمد شرف" لمعلمته "مروة السيوري" منزعجًا من حصة الساعة السابعة صباحًا.
"محمد" الذي لم تمهله رصاصات المستوطن أن يكمل حلمه بأن يدخل بوّابة الجامعة مع زملائه، لم تمهله أن يحقق الحلم الّذي سعى لأجله، فطلبه الجامعي لم يكتمل وشهادته لم تُصَدّق
ترى معلمته أنه رحل وبقي حلمه طوقا في أعناق رفاقه، يكملون الدّرب عنه ولأجله.
لم تجد شيئًا غير الذكرى والبكاء.. تتذكر كلما أطلق طالب في الفصل نكتة ليضحكها وزملاءه، فأتى في فضاء الفصل صدى ضحكات محمد الفكاهي صاحب النكت والنهفات في مدرسته مدرسة راس العمود الشّاملة للبنين في القدس.
لم تجد أيضًا غير أن ترص الحروف لأجله! تقول: "ماذا نفعل غير كتابة هذه الحروف الّتي لن تفيَه حقّه لكنّها على الأقلّ ستذكّر الجميع بشاب اغْتيل حلمه بلمح البصر، ستذكّر العالم بهذا الكمّ من القهر في مدينتنا، وربّما تتسلّل هذه الكلمات والرّسائل الّتي نرسلها إلى روح محمّد، تتسلل في مسام التّراب وتهمس في أذنيه: والله، إننا نحبّك، وما نسيناك يوما"!
"محمد" كان شهيد البوابات الالكترونية، كان من فدى الأقصى بدمائه حين رأى دموع كبار السن تذرف كلما هتف واحد منهم "البوابات لأ.. هاد أقصانا وعزنا".
"حقيبة ودماء!"
على عتبات مدرسة مقدسية، ذرفت والدة الأسيرة القاصر "نورهان عواد" دموعها حرى، وهي ترى كل الفتيات بجيل ابنتها قد تجهزن لبدء العام الدراسي الجديد.
حقيبة قد تناثرت عليها دماء "نورهان" توجع أمها أيضًا كلما لمحتها، حين أطلق عليها جنود الاحتلال رصاصاهم الغادرة ثم زجوا بها إلى أروقة التحقيق ثم حكموها ثلاثة عشر عامًا ونصف!
ليس "نورهان" فحسب، فأمس ومع بدء العام الدراسي الجديد نُتئت جروح 400 أم فلسطينية، حين رأت الأطفال يسيرون إلى أحلامهم بينما طفلها يقبع في زنزانة ضيقة.
كان يومًا عاديًا، فربما لم يعلم هؤلاء الأطفال أن رزنامة التواريخ قد حملت يوم أمس يومًا مهمًا في هدم أحلامهم، فصراخ السجانين وعد الصبح ودق الشابيك.. طقوس استيقظوا عليها كما كل صباح!
وربما تمارس بحقهم كل أشكال التعذيب في يومهم هذا، كالتعذيب والتحرش الجنسي والحبس مع الجنائيين الصهاينة ومساومتهم للإيقاع بهم في شرك العمالة مع الاحتلال، علاوة عن التعذيب النفسي الذي يمارسه السجان بحق الأطفال الفلسطينيين.
"مقعد فارغ"
مقعد فارغ، وأحلام ذهبت، وقلب يحترق وجعًا لفراقه.. هكذا وصفت والدة الشهيد "مصعب التميمي" أول أيام العام الدراسي!
مقعده الذي سيكون عليه "صورته" وإكليل الورد لم يمر صورته عابرة على قلب أمه.
والدة "مصعب" تتخيل كيف لو أنه بقي وذهب لمدرسته وعاد بكومة مغامرات يحدثها بها، كما تتخيل حين ينادي المعلم بأسماء الطلبة ويقف عندما ينادي اسم "مصعب"، ويصمت طويلًا ليتجرأ أحد أصدقائه أن يكسر حاجز الصمت ويقول: "مصعب استشهد"!
لن تحتاج والدة "مصعب" أن تعلن الطوارئ في البيت لأنه سيبدأ عامه الحاسم في رحلته العلمية، سيمضي العام دون أن يزورها التوتر لأن نتائج الثانوية العامة قد اقتربت.
ستبكي كثيرًا، ستبتسم لفرحة أصدقائه بنجاحهم.. ستتألم كلما التقت بطالب درس نفس التخصص الذي كان يحلم به "مصعب".. ولن تُكفكَف دموعها أبدًا!