​​​​​​​بعد ربع قرن

كيف وضعت اتفاقية باريس الاقتصاد الفلسطيني في قبضة (إسرائيل)؟

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

الرسالة - أحمد أبو قمر

تعد اتفاقية باريس الاقتصادية الموقعة عام 1994 من أبرز الاتفاقيات التي جرى توقيعها بين الفلسطينيين والاسرائيليين، ورغم مضي أكثر من 24 عاما على توقيعها، إلا أن آثارها "الكارثية" باقية حتى اليوم، وتزيد يوما بعد الآخر من تحكم الاحتلال في رقبة الاقتصاد الفلسطيني.

ولعل المشكلة الأبرز في الاتفاقية تكمن في أن أي عملية تنمية فلسطينية وتقدير احتياجات السوق الفلسطيني وكميات الاستيراد من البضائع والسلع يجب أن تمر عبر الاحتلال، ولا تتم إلا بموافقته.

ولم تتوقف الأمور عند تنظيم التجارة الداخلية، بل ربطت الاتفاقية النظام المالي والنقدي والتجارة الخارجية برمتها بالقرار (الإسرائيلي) على صعيد نسب تقدير وتحديد ضرائب القيمة المضافة وأسلوب تحصيلها ونظام ومعايير الاستيراد والتفتيش والجمارك والتأمين والتعويض في حوادث الطرق واستيراد المشتقات النفطية بأنواعها وأسعارها.

ونتيجة لاتفاقية باريس وضعت (إسرائيل) يدها على المعابر والحدود والموانئ، كما لا تتم المبادلات التجارية للسلطة مع العالم إلا عبر (إسرائيل) وهو ما كبل السلطة اقتصاديا وجعلها تتبع للاقتصاد (الإسرائيلي) رغم الفوارق في مستوى الدخل والإنتاج.

 زيادة للتبعية

وفي حديث مع مصدر رفيع المستوى يعمل بوزارة المالية برام الله، أكد أن الاحتلال لا يستفيد من ضرائب الفلسطينيين بشكل مباشر، مبينا أن (إسرائيل) تعيدها للسلطة؛ وفق ما هو متفق عليه.

وقال المصدر، الذي رفض الكشف عن اسمه، في حديث لـ"الرسالة ": إن الاحتلال يهدف بربطه الاقتصاد الفلسطيني مع (الإسرائيلي)، الابقاء على تبعية الفلسطينيين للاحتلال والاستفادة من عمليات البيع والشراء التي تتم بين الطرفين.

وأوضح أن الأوضاع الاقتصادية تختلف تماما في (إسرائيل) عن الضفة وغزة، حيث أن متوسط دخل الفرد (الاسرائيلي) يزيد عن عشرين ألف دولار سنويا، في حين أن متوسط دخل الفرد الفلسطيني ألف ومائة دولار سنويا.

وأضاف المصدر: "لك أن تتخيل أن الطرفين ملزمان بنفس عمليات الشراء ودفع المياه والكهرباء وجمارك السيارات وغيرها من الأدوات المستوردة رغم الاختلاف الكبير في متوسط دخل الطرفين".

الأكاديمي والمختص في الشأن الاقتصادي الدكتور نائل موسى أكد أن جميع العلاقات الاقتصادية التي تتم بين السلطة و(إسرائيل) تتحدد عبر الأخيرة فقط، في حين ليس أمام السلطة سوى التنفيذ فقط، فما تفرضه (إسرائيل) تطبقه السلطة.

وانتقد موسى تساوي حجم الضرائب في المنطقتين رغم اختلاف الدخل والذي يعد السبب الرئيسي في غلاء المعيشة الذي تشهده الضفة المحتلة في الآونة الأخيرة.

وطالب بضرورة اعادة صياغة قوانين الضرائب المفروضة؛ بما يتناسب مع الوضع المعيشي للأراضي الفلسطينية بعيدا عن الاحتلال.

ووفق موسى، فإن الضرائب نوعان أولها الضرائب المباشرة (المكوس) والتي تُمثل 15% من القيمة التي تُحددها السلطة، في حين أن ثانيهما الضرائب غير المباشرة (ضرائب الدخل) وهي تقر عادة من المجلس التشريعي وترفع للرئيس ليُصادق عليها.

ويؤكد مراقبون أنه لا يمكن لـ(إسرائيل) أن تفكر في دراسة الاتفاقية مرة أخرى، "فهي مشروع مربح لها ويدخل سنويا إلى حكومتها ملايين الدولارات على غير وجه حق، فكيف لها أن تعيد النظر فيها وهي تنتج أسلحتها وقوتها من فواتير المقاصة التي يحرقها التجار الفلسطينيون ورجال الأعمال خوفا من الضرائب".

ويقصد بضريبة المقاصة، الضرائب المفروضة على السلع التي يتم شراؤها من (إسرائيل) مباشرة، في حين أن البيانات الجمركية هي الضرائب التي تتم على البضائع المستوردة من الخارج وتدخل عبر الموانئ والمعابر المسيطر عليها من قبل الاحتلال.

 خدمة للاحتلال فقط!

من جهته، أكد البروفيسور الاقتصادي محمود أبو الرب أن اتفاقية باريس جاءت لخدمة المصالح (الاسرائيلية) بالدرجة الأولى، وهي جزء لا يتجزأ من اتفاقية أوسلو.

ووفق أبو الرب، فإن الاتفاقية من المفترض أن ينتهي العمل بها عام 1999 إلا أنها ما زالت سارية وبقرارات مجحفة تخدم الاحتلال واقتصاده فقط.

وقال في حديث لـ"الرسالة": "الاتفاقية عملت على تصريف البضائع الاسرائيلية ذات الجودة الرديئة في الأسواق الفلسطينية، فأي منتج يعجز التجار (الإسرائيليون) على تسويقه في الخارج يكون السوق الفلسطيني مكانا ملائما له".

ويرى أبو الرب أن المشكلة الأكبر تتمثل في القرصنة الاسرائيلية على أموال المقاصة، "فلا أحد يعلم حجم الأموال التي يجبيها الاحتلال وما هي مجمل الفواتير، وهو ما يجعل من سرقة الأموال شيئا أكيدا".

وأضاف: "هذه الفواتير لا تتابع من الجهات المختصة للسلطة وتحرق في بعض الأحيان من التجار ورجال الأعمال للهروب كما يعتقدون من دفع الجمارك والضرائب وهذا ما يؤدي لدفع 300 مليون دولار سنويا لخزينة وزارة الحرب الصهيونية دون أن تستفيد السلطة من تلك الفواتير".

وأشار إلى أن وجود السلطة في موقف الضعيف وتوقيعها اتفاقية مع الاحتلال الذي يتحكم بكل شيء يجعل من الاتفاقية غير متكافئة، "فالمعلوم أن الشخص القوى هو من يفرض شروطه والسلطة ضعيفة والاحتلال هو الذي يملي شروطه وفقا لمصالحه".

ويرى مصدر وزارة المالية أن ضريبة المقاصة والبيانات الجمركية التي تتم بين الفلسطينيين و(الاسرائيليين) هي عملية ضغط على الفلسطينيين لإبقائهم تحت سيطرة اقتصاد المحتل.

وكشف عن أن المشكلة الكبرى التي تنص عليها اتفاقية "باريس"، أن الحد الأعلى لفرق القيمة المضافة يجب أن تكون 2% فقط، مستدلا على ذلك بمثال "لو كانت الضريبة لدى (إسرائيل) 17% وهو أمر طبيعي بالنسبة لدخلهم السنوي فإنه يحظر على السلطة فرض ضريبة أقل من 15% وهي بمثابة معاناة للفلسطينيين الذين يعجزون عن دفعها بالمقارنة مع رواتبهم".

ونوّه المصدر إلى أن الاستمرار في العمل باتفاقية "باريس" يضر بالاقتصاد الفلسطيني كثيرا، مؤكدا أنه يصعب التخلص من التبعية الاقتصادية ما دامت الاتفاقية قائمة.

وكسابقه أكد الخبير الاقتصادي موسى أن بروتوكول باريس الاقتصادي أحد أهم الأسباب في زيادة التبعية للاحتلال وغلاء المعيشة في الضفة.

وتطرق إلى أسباب عدة زادت من غلاء المعيشة في الضفة أهمها ارتباط السلطة باتفاقات اقتصادية مع الاحتلال تُهدّد سياساتها الاقتصادية وتزيد من تبعيّتها للاحتلال، وكذلك سيطرة (إسرائيل) على المعابر والمياه والموانئ.

ومن افرازات اتفاقية باريس وفق موسى، مزيدا من العجز في الميزان التجاري الفلسطيني ليصل إلى أكثر من 5 مليارات دولار، وإلغاء العلاقات الاقتصادية مع أغلب دول العالم وجعلها بيد (إسرائيل).

وأوضح أن السياسات الاقتصادية الفلسطينية مرتبطة باعتبارات عدة أهمها بروتوكول باريس وإجراءات الاحتلال على أرض الواقع، داعيا لإلغاء ضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية باعتبارها الحل الأمثل لإنهاء التبعية مع الاحتلال، متسائلا عن الفائدة التي تجنيها السلطة من تبعيتها.

 بنود الاتفاقية باختصار

وفي استعراض مختصر لبنود الاتفاقية إلى وقعت في 29 أبريل/ نيسان من عام 1994، تنص الاتفاقية في سياسة الواردات على أن "لدى (إسرائيل) والسلطة سياسة شبه متطابقة في ما يتعلق بالواردات والجمارك. ومع ذلك فان السلطة تستطيع استيراد منتجات بتعريفات جمركية مختلفة عن تلك المطبقة في (إسرائيل) عقب إجراءات متفق عليها بصورة مشتركة".

وبالإضافة إلى ذلك تستطيع السلطة الفلسطينية استيراد منتجات من الدول العربية بكميات محدودة متفق عليها. وسيتم اتخاذ ترتيبات لتدير السلطتان بشكل مشترك الحدود في أريحا وغزة".

وفي بند الضرائب المباشرة، قالت الاتفاقية "إنه على السلطة تطبيق سياستها الخاصة في فرض الضرائب المباشرة بما في ذلك ضريبة الدخل على الأشخاص والشركات وضرائب الملكية ورسوم البلديات، وفقا للسياسة التي تحددها السلطة الفلسطينية".

ويقوم الطرفان بجمع الضرائب في الأنشطة الاقتصادية التي تجري في مناطقهما، وتنقل (إسرائيل) إلى السلطة 75% من ضريبة الدخل التي تحصلها من الفلسطينيين الذين يعملون في (إسرائيل).

أما في بند الضرائب غير المباشرة، "تطبق السلطة نظاما لضريبة القيمة المضافة مماثلا لذلك المطبق في (إسرائيل)، على أن تتراوح معدلات ضريبة القيمة المضافة لدى السلطة بين 15 و16%.

وفي مجال الوقود، "يتم تحديد أسعار الوقود في منطقة الحكم الذاتي على أساس سعر الشراء في منطقة الحكم الذاتي والضرائب المفروضة على الوقود في نفس المنطقة".

وينص الاتفاق على أن سعر الوقود لا يمكن أن يكون أقل من 15% من السعر الرسمي في (إسرائيل) -رغم اختلاف الرواتب والأوضاع المعيشية.

وبناء على البروتوكول جرى تشكيل لجنة اقتصادية فلسطينية-(إسرائيلية) مشتركة تعرف باسم ""JEC لمتابعة تنفيذ البروتوكول ومعالجة المشاكل المتعلقة به والتي قد تبرز من وقت لآخر، ويمكن لكل جانب أن يطالب بمراجعة أي مسألة تتعلق بالاتفاق عن طريق اللجنة، إلا أن هذا البند معطل ولم يجر العمل به.

وحددت اتفاقية باريس الفارق في سعر البنزين النهائي للمستهلكين (الإسرائيليين) والمستهلكين الفلسطينيين بحيث لا يتجاوز 15% من السعر النهائي الرسمي للمستهلك في (إسرائيل).

ورغم أن الاتفاقية نصت على أن للفلسطينيين الحق في تصدير منتجاتهم الزراعية إلى الأسواق الخارجية دون قيود على أساس شهادات المنشأ التي تصدرها السلطة، إلا أن الاحتلال يتحكم في جميع الكميات التي تصدّر ويمنع الكثير منها.

 مشاكل الاتفاقية

وفي نقد الاتفاقية، قال الباحث في الشأن الاقتصادي والمطلع على بنود الاتفاقية محمد قرش، إن ضريبة القيمة المضافة تحدد من الاحتلال مع إعطاء هامش لا يزيد على 2% للسلطة زيادة أو نقصانا.

وفيما يتعلق بتحويل الشيكل الفائض إلى عملات دولية، أوضح قرش أنه يتم عن طريق "بنك (إسرائيل) والمصارف التابعة له، لافتا إلى أن هناك تجاهلا لحركة التجارة مع القدس، وللتهريب من المستوطنات، ونقل الأموال بين قطاع غزة والضفة الغربية.

وكشف عن أنه غاب عن المفاوض الفلسطيني في هذا الجانب، ثلاث نقاط فنية في غاية الأهمية هي أولا كمية الكتلة النقدية التي كانت متداولة في الضفة والقطاع قبل توقيع الاتفاقية والتي كان يجب تقديرها من قبل بنك (إسرائيل) وإدخالها في المعادلة (أي حق الفلسطينيين في تحويلها إلى عملات أجنبية متى رغب الفلسطينيون في ذلك دون قيود) لكونها التزاما سابقا على إنشاء السلطة، وطرحها للتداول كان قرارا (إسرائيليا)، وتحت مراقبة "بنك (إسرائيل) والسلطات الرسمية الأخرى، فالاحتلال وحده من يتحمل مسؤوليتها القانونية بما في ذلك استبدالها.

وثانيا غياب أي تقدير عن حركة تدفق وانسياب العملة الإسرائيلية من قبل فلسطينيي الداخل المحتل والقدس والمستوطنات.

وثالث هذه النقاط "عدم الاتفاق مع سلطات الاحتلال للحصول على ما يعرف بالـ Seignorage والمتمثل بحصة فلسطين من تداول الشيكل في الأراضي الفلسطينية، وهي عبارة عن العائد أو الإيراد المتحصل من إصدار العملة (الإسرائيلية)، وقدرتها الدراسات بنحو 60 مليون دولار كمتوسط سنوي حتى العام 2009 وهناك تقدير آخر ذكر بأن قيمتها تزيد على 80 مليون دولار كمتوسط سنوي.

ونتيجة للبند الأخير، فإن الفلسطينيين حرموا منذ عام 1995 وحتى نهاية عام 2014 مما يزيد عن مليار ونصف دولار.

 معوقات ضد "النقد"

ومنذ توقيع اتفاقية باريس، عانت سلطة النقد في الكثير من القضايا، أبرزها، انعدام حقها في حرية تحويل السيولة إلى قطاع غزة وبالعكس بدون سقف أو قيود أو تقديم تقارير أو تبريرات أو إحصاءات. "فتدفق وانسياب السيولة بكل العملات وخاصة الشيكل بين جناحي الوطن يجب أن يتم بحرية تامة باعتبار القطاع والضفة يشكلان وحدة جغرافية واحدة.

وضعت (إسرائيل) سقوفا لما يستطيع "بنك (إسرائيل) قبوله من الشواكل بما في ذلك المصارف التجارية العاملة تحت إمرته، بحجة أن هناك عمليات تبييض للأموال تتم في الأراضي الفلسطينية.

ويستعرض الباحث قرش النتائج المدمرة الناجمة عن الاتفاقية، والتي تتمثل في أن الجانب الفلسطيني لم يقم بإعادة فحص وتعديلات على الاتفاقية رغم وجود بند بذلك، كما أن اجتماعات اللجنة الاقتصادية المشتركة لم تعقد (سوى ثلاث مرات) وبعد ذلك جمدت كليا وخاصة بنهاية عام 2000، حيث تم إلغاء الوجود الفلسطيني الأمني والجمركي في المعابر كليا.

وتجدر الاشارة إلى أن الاقتصاد الفلسطيني لا يستطيع التعامل أو الاستيراد أو التصدير من دول لا تقيم (إسرائيل) علاقات سياسية أو تجارية معها أو في حالة حرب معها، وبالتالي فالاتفاقية تحرمه من التعامل أو الارتباط مع نحو 48 دولة في العالم قد تكون سلعها أرخص وأفضل.

كما أن كافة المعابر والحدود والاستثمار الخارجي وحركة التنقل التجاري والفردي من وإلى فلسطين تتحكم بها (إسرائيل) بالكامل، وهو ما يمنع استقلالية فلسطين في جلب البضائع.

وعلى صعيد الضفة المحتلة، فإن حدود التوسع في القاعدة الإنتاجية وفق الاتفاقية، مقيد ومحصور بالمنطقتين "أ" و "ب"، بينما يحظر على المستثمرين والقطاع الخاص مد أنشطتهم الإنتاجية والتجارية إلى المنطقة "ج"، علما بأن مساحة الأخيرة تشكل نحو 62% من مساحة الضفة.

وفي القدس المحتلة، تحظر الاتفاقية على الاقتصاد الفلسطيني التعامل بحرية، إنتاجا وتصديرا واستيرادا، حيث ينطبق عليها ما ينطبق على بقية مدن فلسطين المحتلة عام 1948، ومشكلة ذلك في أن الاقتصاد الفلسطيني يحرم من مساهمة محافظة القدس بـ 15% من الناتج المحلي الفلسطيني.

كما تجبي (إسرائيل) الإيرادات الجمركية على البضائع والسلع مباشرة وتبقيها لديها قبل تحويلها فيما بعد إلى خزينة السلطة بعد خصم 3% مقابل رسوم تحصيل وإدارة. وفي العديد من الحالات تجمد هذه الأموال لديها وترفض تحويلها وتستخدمها كضغط سياسي على السلطة لتنفيذ أجنداتها.