ثوب العروس الذي لم يلبس

ثوب العروس
ثوب العروس

الرسالة نت - رشا فرحات

كان من المفترض أن يكون يوم الثامن عشر من نوفمبر، يعني بعد ثلاثة أيام، يوم فرح لكل عائلة الغزالي، يوما يجتمع فيه قلبان بعد انتظار طويل، وهو اليوم الذي يصادف عيد ميلاد العريس فادي.

هي فلسطينية من سوريا، شاءت الأقدار لها أن تعرف فادي الغزالي عبر شبكات التواصل، لقرابة سابقة لعائلاتهما، لكي يشاركها همومها الكثيرة، هموم سوريا وفقد الأهل والبيت والمكان، حيث كانت تعيش في "خان شيخون" القرية السورية التابعة لمحافظة ادلب، والتي عانت ويلات حرب ليس لها فيها إثم، فكانت عروسنا وأهلها ممن أخذت منهم الحرب ما أخذت، كغيرهم من السوريين.

ثم تواعدا العروسان على اللقاء القريب، وان يكون كل منهما من نصيب الآخر، أين؟! على أرض غزة، لأن غزة تستحق الحياة او الفرح والثوب الأبيض.

ولأن البيوت للبيوت عزاء، فقدت العروس منزل الزوجية قبل أن يعمره ذلك الزواج القريب، فقدته كما فقدت منزلها في سوريا، شاعرة بذات الوجع، وذات التشرد والقهر، فخسران بيتك كخسران روحك، لا فرق بينهما.

والثوب الأبيض المعلق على باب الخزانة منذ قدوم صاحبته يوم الخميس الماضي إلى القطاع لتزف إلى عريسها فادي بقي كما هو على طرف الباب، ابتاعته صاحبة الوجع المتلاحق من أحد محلات سوريا المتبقية لتأت به إلى غزة، وربما تخيلت نفسها ترتديه كالأميرات، تجره داخلة عتبات بيتها بعد أيام، لكنه الاحتلال، الذي لم يبقي في غزة مكانا للفرح.

وصلت العروس إلى منزل عائلة خطيبها يوم الخميس الماضي، وعكفت على إتمام تحضيرات العرس مع والدة فادي، فهذه هي غرفة النوم، وذلك السرير الذي ربما فرشناه باللون الوردي، وتلك غرفة أخرى لأطفالنا، وتلك أحلام علقناها على النوافذ، وذلك فادي الحلم الأكبر لعروس سوريا.

جاء ليل يوم الأحد، حينما بدأت الهجمات المسعورة على غزة، وصبت طائرات الاحتلال جنون نيرانها على شارع النصر في شمال غرب مدينة غزة، مهدمة بيوتا، ومقرات ومسقطة القلوب والحجارة من الحسابات، وسقطت معها أحلام فادي وعروسه، فقد كان لبيت أحلامهم نصيبه من القصف، فحينما قصفت الطائرات عمارة أبو رحمة، المجاورة لمنزلهم، تهدمت غرفة النوم، وسقطت جدرانها، وتشوه منظر السرير، وتناثرت الحجارة في كل مكان، وأصبح البيت غير مؤهل للحياة والسكن، وحده ثوب العروس بقي معلقا في مكانه.

والدة العريس تبكي حظ زوجة ابنها، وحظ ابنها فادي أصغر أبنائها، وتحضيرات عرسهم التي لم تنتهِ، وقرار ابنها الغاء يوم العرس لأن الإمكانيات لم تعد تسمح سوى بترميم ما تهدم من حجارة البيت، حيث طال الهدم منزله ومنزل اخوته وأهله حيث يقطنون في عمارة واحدة.

لا بيت الآن ولا عرس يتوج هذا الزفاف، ولكنه الإصرار على الحياة، باق، ويتمدد، فستلبس العروس ثوبها وستزف يوم الثامن عشر من نوفمبر، حتى لو كان بدون عرس، لكنه ربما إصرار على الفرح.