السنوار خطاب الحسم والردع

رامي أبو زبيدة
رامي أبو زبيدة

رامي أبو زبيدة: الباحث بالشأن العسكري

منع العدو من فرض معادلاته على المقاومة، ودور القيادة وقدرتها التحصينية ودور المعلومة وطرق ظهورها ونظم كشف ما يجب كشفه من القوة، والقدرة على الحسم وعدم التراخي واضاعة الوقت لأن الحرب تقاس بالتخطيط والحذر منها، لكن المهم أن يكون الحسم مدروسا ودقيقا، مع الثبات والصبر وحسن تدبر الأمور. هذا ما كان واضحاً في خطاب الحسم والردع لقائد حماس في غزة يحيى السنوار.

يمثل يحيى السنوار لدى الإعلام العبري وفي وعي الجمهور الإسرائيلي، الكثير: انه عدو مرّ، وقائد حماس القوي يعلم ويدري ما يدور في الشؤون والتدابير العسكرية للمقاومة؛ وخبير في المجتمع والجيش الإسرائيليين، لذلك كما فعل الجمهور الفلسطيني والعربي في الانصات لخطاب السنوار في تأبين شهداء خانيونس، فعلت أيضاً القيادة والجمهور الإسرائيلي.

فكان حديث السنوار للعدو سلاح ردع وحربا نفسية مبنية على تأسيسات مدركة وخبيرة بالعدو وقدراته ونقاط قوته وضعفه، في موازاة إدراكها معنى الحروب النفسية وفاعليتها، بما ينسحب على الجمهور والمستويات القيادية، في اتجاهيها السياسي والعسكري.

عندما يقول السنوار في رسالته الى نتنياهو ووزير حربه القادم أن غزة تحمل لكم الموت الزؤام، وان صواريخ المقاومة باتت أكثر عدداً وأكثر دقة وأقوى تدميراً، كما نقل عن قائد القسام محمد الضيف، أن الرشقة الصاروخية الاولى التي ستضرب (تل أبيب) ستفاجئ الاحتلال، وانه خلال المعركة الاخيرة لو زادوا لزدنا، في عمق هذه الرسائل، تبقى حقيقة قد تكون أكثر حضوراً لدى مؤسسات صناعة القرار السياسي والأمني في (تل أبيب)، وهي أن حديث السنوار هو تعبير عن صورة (إسرائيل) في وعي صنّاع القرار لدى قيادة المقاومة، وهو أكثر ما يهم المؤسسة الإسرائيلية، أي عكس ما حاولوا ويحاولون زرعه في وعي الآخرين عبر تقديم (إسرائيل) كـ"جدار حديدي". مع ذلك، يجدر التذكير بأن هذا المفهوم لا يتعارض مع حقيقة كون (إسرائيل) دولة متطورة على المستويين التكنولوجي والعسكري، وتملك قدرات تدميرية هائلة.

وهنا المسألة ليست نظرية على الإطلاق، بل تشكل أحد أهم المنطلقات لتقدير منسوب المغامرة لدى صناع القرار الإسرائيلي، عندما يدركون أن هناك أثماناً هائلة سيدفعها الكيان الإسرائيلي، وأيضاً لتقدير قدرة صمود المجتمع الإسرائيلي في حال تعرض الجبهة الداخلية للضغط العسكري الذي لم يسبق أن شهدته (إسرائيل) طوال تاريخها وان ما حدث في الجولة الاخيرة ما هو إلا نموذج مصغر لما هو قادم. وأيضاً، يحضر هذا المعطى ـــــ لدى مؤسسات القرار الإسرائيلي ـــــ باعتباره عاملاً من عوامل تعزيز الثقة لدى المقاومة بالقدرة على المواجهة وتحقيق النصر، وهو ما أثبتته التجربة خلال العقود السابقة.

نقطة أخيرة نَختِم بها تتلخص في القَول بأن السلاح الأقوى والأكثَر فاعلية الذي تمتَلِكه المقاومة، ولا يمتلِك العدو الإسرائيلي مثيلا له، هو الإرادة القوية، والإيمان بالنصر، والقِتال حتى الشهادة، ومن وازِع ديني وَطني صِرف، وهذا ما أكد عليه السنوار في خطابه، ولهذا لم تَكْسَب (إسرائيل) أيا مِن حُروبِها مع المقاومة، لأن التعبئة وأساليبها، ومُرتكزاتِها، اختلَفت جَذريا، ولأن استراتيجيّة خَوض الحُروب تَغيّرت، ونظريّة "الصَّدمة والرُّعب" الإسرائيليّة والتي كانت تعطي مفعولَها في الماضي سَقَطت ولم تَعُد كذلك، وحَلت مَحلّها استراتيجيّة القصف بالقَصف والقنص بالقنص والدم بالدم، وامتلاك المقاومة القدرة والجرأة والمبادرة بالرد بعمل عسكري نوعي.