أقلام فلسطينية مسروقة وحقوق نشر وملكية ضائعة

أقلام فلسطينية مسروقة وحقوق نشر وملكية ضائعة
أقلام فلسطينية مسروقة وحقوق نشر وملكية ضائعة

تحقيق الرسالة نت – رشا فرحات

يعاني الكتاب في فلسطين فوضى في عملية النشر والحفاظ على حقوق الملكية الفكرية لكتاباتهم فتضيع حقوقهم كنتيجة حتمية للاحتلال الذي تسبب في اختلاف القوانين بين الضفة والداخل المحتل، ما أعطى فرصة لازدياد السرقات الفكرية، بالإضافة إلى عشر سنوات من الانقسام ألقت بظلالها على مناحي الحياة كافة والقوانين المطبقة في الضفة وغزة.

ومن ناحية أخرى لم تتداعى الحكومات في الضفة وغزة لوضع آلية واضحة للحفاظ على حقوق الكاتب من السرقة والتحريف، فيما بقيت القوانين الموجودة حبرا على ورق لدرجة أن هناك كتابًا تعرضوا للسرقة بصورة فاضحة، ولم يكن هناك دور لوزارة الثقافة ولا رابطة الكتاب، ولا اتحاد الكتاب، التي بدورها تطبع كتبا لا تحمل أرقام إيداع ودون المواصفات القانونية المعتمدة في أي دولة التي تحافظ على حقوق الكاتب، وفي النهاية تبدو كلها مسميات لا تحل ولا تربط ولا تحزم في تطبيق قانون موجود وغير موجود.

بدون ترقيم

ومن ضمن الإجراءات التي تستخدمها وزارة الثقافة في أي دولة رقم الإيداع، وهو رقم تسلسلي لأي كتاب ينشر يضمن حق الكاتب في الملكية لهذا الكتاب، وحسب القانون يعطي كل كاتب حقه للحفاظ على مؤلفاته في حياته من السرقة والتحريف والتشويه، وبعد وفاته لخمسين عاما أيضا.

وإذا تطرقنا إلى التعريف القانوني الصحيح للإيداع القانوني (Legal deposit) فهو مجموعة من القوانين والتشريعات التي تشرع من الدولة وتلزم كل منشئ عمل فكري أو ثقافي بإيداع نسخ مجانية من عمله (كتب/ مقالات/ تقارير/ رسائل جامعية/ خرائط / الأفلام / التسجيلات الصوتية وغيرها من مصادر المعلومات) سواء كانت رقمية أو تقليدية وترسل إلى موقع الإيداع.

وفي الغالب المكتبة الوطنية هي الجهة المسئولة عن الإجراءات التنفيذية للإيداع، وقد تشترك المكتبة الوطنية مع جهات وطنية في جمع مواد الإيداع القانوني، وهذا ما نفتقده في مناطق السلطة رام الله وغزة، حيث لا توجد مكتبة وطنية تحوي المؤلفات الفلسطينية حسب أرقام مسلسلة تحفظ لكتابها حقوقهم.

 وتختلف كل دولة عن الأخرى في مجالات تطبيق قانون الإيداع القانوني، من حيث المواد الخاضعة للإيداع والملزمين بالإيداع والمؤسسات المؤهلة لاستقباله وعدد النسخ الواجب إيداعها وكذلك الأحكام التنظيمية والجزائية، وكل تلك الإجراءات غير معمول بها في الضفة الغربية وقطاع غزة.

تجارب واقعية

وفي البحث عن تجارب وآراء الكتاب فيما يتعلق بقانون الإيداع ومدى قدرته على حماية حقوق الكاتب سألنا بعض الكتاب عن تجاربهم، وإذا ما كانوا تعرضوا لسرقة، وهل يعرفون ما هي حقوقهم التي سن عليها القانون للحفاظ على ملكيتهم الفردية..

جمعة: القضاء لا يأخذ هذا الأمر بجدية

 يقول الشاعر والكاتب خالد جمعة: نعم تعرضت لتجارب من هذا النوع فقد كان هناك باحث اسمه زياد الشولي سبق أن سرق بحثاً من أبحاثي، وفي ذات المرات سرقت فتاة من سوريا نصا بعنوان " الغجرية"، وفي أخرى سرق شخص من الخليل كلمات أغنية كانت من قصائدي. ويضيف جمعة: كثيرة هي المرات!

وعن اهتمامه باللجوء إلى القضاء يضيف: لا اهتم، فالقضاء لا يأخذ هذه الأمور بجدية ثم إننا لا نعرف تفاصيل القانون، الذي يعالج مسألة الحقوق الأدبية، وأنا حاولت التعرف على القانون ولم أعثر على شيء واضح.

وذكر أن الجهات الرسمية لا تفرض تطبيق قانون واضح بشأن حقوق المؤلفين، لافتا إلى أن هناك ربطا دائما بأهمية الثقافة مقابل الأوضاع السياسية الفلسطينية، فهناك استهتار بالأدب والنشر، وحقوق الكاتب بالنسبة لكل العملية السياسية الثقافة شيء لا يمكن الالتفات إليه.

الكاتب يامن نوباني من رام الله يقول عن تجربته: أنا تعرضت لتزوير روايتي " ذاكرة اللوز" 4 مرات، ولا أبالغ إذا قلت إن هناك 4 آلاف نسخة مزورة وزعت في العراق والأردن وفلسطين.

نوباني: التزوير يتم داخل الخط الأخضر

 وعن ردة فعل نوباني إزاء ذلك علق: لا يوجد أحد يحمي عملك الأدبي، إلا أنت شخصيا، وأنت لن تستطيع إيقاف السرقة لوحدك، لأنك تتعامل مع مافيات كتب، ولا تدري خيوط اللعبة، ويضيف: كلما حاولت استرداد حقي قالوا لي: لن يعود حقك، فلا توجد رقابة على ما يصدر والكتب توزع في كل مكان.

سرقات في الداخل

وعن محاولات اللجوء للقانون يرى نوباني أن الحكومة تسن قوانين لكنها لا تعمل بها. معلقا: الكل يقول لك أن السرقة والتزوير أصبحت منتشرة في كل العالم، وأنا حاولت التحدث للمزورين شخصيا فقالوا لي أن التزوير يتم داخل الخط الأخضر خاصة في القدس وحيفا.

ولفت إلى أن الكاتب الفلسطيني تحت حكم السلطة لا يستطيع ملاحقتهم في هذه الحالة، لأن هناك قوانين مختلفة بين مناطق السلطة والمناطق التي تديرها (إسرائيل).

ومن جهة أخرى نشر الكاتب والقاص محمود شقير قبل عام على صفحته قائلا: تمّ السطو على كتابي "الملك الصغير" الذي أصدرته إدارة التعليم التابعة لوكالة غوث اللاجئين في القدس، ووزعته على مدارس الوكالة في فلسطين، الأردن، سوريا ولبنان.

طه: نفتقد استراتيجية كاملة توحدنا ثقافيًا

وقد حمل الكتاب اسمًا جديدًا هو "ملك التسامح"/ مجموعة قصصية بقلم: الطالبة مريم عمر صبح، وبمشاركة طلبة آخرين لهم قصص أخرى في الكتاب، وبإشراف د. ابراهيم محمد أبو شقرا/ مشرف المكتبات المدرسية. وهو صادر عن: الأنروا/ لبنان/ برنامج التربية والتعليم/ مركز التطوير التربوي. وعلى الغلاف: اليونيسيف/ لبنان.

وقد أكد هذا الحديث الكاتب المقدسي محمود شقير مضيفا: قبل أيام وصلتني رسالة من بيروت تشير فيها إلى كاتبتها أن الاونروا طبعت كتابا للأطفال من تأليف إحدى الفتيات وعنوان الكتاب هو "ملك التسامح" وهو نسخة طبق الأصل من كتابي الذي وزع على طلاب مدارس الوكالة ويحمل عنوان " الملك الصغير" وقد طبعته الاونروا عام 2004.

ويكمل حديثه قائلا: كذلك تحدث الكاتب فراس عمر عن سرقة مقالة له عن كتابي "القدس مدينتي الأولى" وتم نشره في صحيفة جزائرية وتحدث الناقد فخري صالح عن سرقة كتاب مترجم له.

ولقد سرد لنا شقير أيضا محاولته في تتبع الأمر قائلا: أرسلت رسالة إلى مسؤول التعليم في بيروت ورد على رسالتي موضحًا أن هذه السرقة تمت في العام 2004 أي في السنة نفسها التي نشر فيها كتابي، كان عمر الفتاة التي انتحلت القصة ونسبتها لنفسها 13 سنة، والآن عمرها 24 سنة، وكل ما طلبته منه أن يبحث عنها ويخبرها بأنه لا يجوز التعدي على حقوق الغير، ولا أطلب شيئا آخر ولولا أن امرأة من بيروت كتبت لي حين لاحظت التشابه بين كتابي وذلك الكتاب، لما عرفت بالموضوع، لأن الكتاب الآخر لم يوزع إلا على نطاق محدود كما قال لي مسؤول التعليم.

اختلاف القوانين

الكاتب صابر عليان من غزة تعرض أيضا لتجربة سرقة أدبية وأخبرنا عنها قائلاً: في عام 2011 سرقت فكرة لمسرحية شعرية كنت قد كتبتها، وقد تم نشرها في كتاب.

ويكمل متحدثا عن تجربة أخرى: عام 2015 سرقت روايتي "رحيل آخر" بأكملها، وصدرت عام 2011، لكني تفاجأت أن فتاة من الداخل الفلسطيني سرقت الرواية كاملة بدون تغيير وأسمتها الرحيل المتجدد وطبعتها ونشرتها، ولأن روايتي منتشرة على الإنترنت وقد قرأها الكثيرون، تم كشف الأمر وأبلغوني، ولكن أيضا هذه السرقة لا أستطيع محاكمتها قانونيا لأنها تخضع للقانون (الإسرائيلي) وأنا أعيش في غزة.

عليان: لا أستطيع محاكمة السارق

عن رأيه في هذا الموضوع المتشابك يقول الكاتب والأديب الفلسطيني المتوكل طه، والمقيم في رام الله حاليا: ثمة تقصير جارح فيما يتعلّق بحماية الثقافة وإنهاضها، وأعتقد أن النقص قد أصاب كل مناحي مكونات الثقافة؛ بدءاً بغياب قانون واضح لحقوق النشر والملكية الفكرية، ومروراً بعدم توفّر هيكلية تسدّ الثغرات وتسعى لتأسيس دار وطنية للنشر والتوزيع، وأخرى للترجمة، كما في أي دولة والتي تكون وظيفتها حماية حقوق الكاتب.

ويوضح الكاتب أن كل هذه الفوضى أدت إلى السرقات الثقافية والأدبية والتراثية أيضا من أناس يعيشون تحت حكم الاحتلال في الداخل المحتل، وآخرين يعيشون بيننا والقانون لا يخدم الكاتب في الحالتين.

 ويلفت طه إلى ضرورة وجود استراتيجية شاملة تُعنى بتوحيد الشعب الفلسطيني ثقافياً وخاصة أبناء المهاجر والشتات، ومؤسسة تلتقط المواهب الطالعة وتتبناها، وتوفّر التربة المنهجية لتفجير طاقات الكتاب الصغار وتحبيبهم بالثقافة وتأصيل مداركهم بها.

حقوق ضائعة

وفي هذا السياق يجب الالتفات إلى دور النشر وكيفية عملها على طباعة كتب أحيانا قد تكون مفتقدة رقم إيداع يحفظ حقوق الكاتب.

وقد قابلت الرسالة الكاتب والناقد وليد أبو بكر مدير دار اوغاريت للنشر في رام الله حيث قال: لا أظن أن لدينا قانونا واضحا للإيداع، وإذا كان موجودا فهو غير إجباري، حيث أن كتبنا في دار اوغاريت تنشر محليا دون ترقيم، إلا إذا كان هناك ارتباط بترقيم دولي، وهو ليس إجباريا، كما أنه يزيد تكلفة الطباعة.

وعن تجربته يضيف أبو بكر: فوجئت منذ فترة بكتاب عليه تسجيل لرقم من وزارة الإعلام، ولكنه ليس إجباريا بعد، وأتمنى أن يكون لدينا مثل هذا النظام، موضحا أن القانون التابع للنظام لازال في إدراج المجلس التشريعي منذ سنوات طويلة، رغم أن معظم دول العالم أقرت مثل هذا القانون الذي يحفظ حق المؤلف.

ويوضح أبو بكر أنهم حاولوا قبل فترة المطالبة بسن قانون واضح حيث عقد مؤتمر يضم عدد من الكتاب لمناقشة الموضوع وأرسلوا المقترحات إلى وزارة الثقافة، مضيفا: لقد ساهمنا بمشروع قانون قدم إلى المجلس التشريعي عبر وزارة الثقافة وكان ذلك قبل عشرين عاما، وحاولنا تطبيق مواده الأساسية في دار اوغاريت للنشر لنحافظ على حق المؤلف، ولكن الأمر ليس إجباريا حتى اللحظة.

ولعل المشكلة تكمن في أن القوانين الفلسطينية التي تطبق في الضفة والقطاع هي قوانين أصدرتها حكومة الانتداب البريطاني في عام 1924 وما زالت تطبق حتى اليوم ولم تعتمد أي قوانين حديثة أو مستحدثة لتغييرها.

ولقد قامت وزارة الثقافة بعدد من المحاولات بصفتها هي السلطة الوطنية المختصة بإدارة حقوق المؤلف لوضع قانون جديد يتوافق مع الاتفاقيات الدولية المتعلقة بقانون حقوق المؤلف والحقوق المجاورة منذ اللحظة الاولى لقيام السلطة الوطنية الفلسطينية سنة 1994 حيث تم إعداد قانون عام 1996 مستندا إلى تجربة الدول العربية وتم عرضه على المجلس التشريعي الفلسطيني ومناقشته في اللجان القانونية التابعة للمجلس ولكن لم يتم اعتماده والمصادقة عليه في تلك الفترة.

وعلى الرغم من وجود وحدة خاصة بحماية حقوق المؤلف تم انشاؤها رسميا في الأول من سبتمبر عام 1998 وأُلحقت بالإدارة العامة للتنمية الثقافية، ثم بالإدارة العامة للمكتبات والمخطوطات بالإضافة إلى محاولات أخرى لصياغة قانون حديث عام 2000، إلا أن كل هذه المحاولات لم تطبق على أرض الواقع، وما زالت حقوق الكاتب مهددة.

بالإضافة إلى إعادة احتلال مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية مرة اخرى وقد دمر الاحتلال الاسرائيلي معظم وزارات السلطة وصادر العديد من الوثائق والبيانات الإحصائية في عام 2000 وكل هذه التحولات زادت من ضياع حقوق الملكية الفكرية.

في غزة

وإذا تحدثنا في السطور السابقة عن ضياع الملكية الفكرية للكاتب الفلسطيني في ظل الاحتلال لن ننسى أيضا تأثير الانقسام ومساهمته في تزايد المشكلة، فمع امتداد سنوات الانقسام حاولت وزارة الثقافة في غزة سن قانون ليحفظ حق الكاتب، ولكنه بقي قانونا من جانب واحد في ظل الانقسام، وفي الحقيقة لن يعترف به أحد.

ففي مقابلة معه، قال الدكتور محمد الشريف، مدير عام المعارض والمكتبات بوزارة الثقافة، إن قانون رقم الإيداع يهدف إلى الحفاظ على حقوق المؤلفين من أجل المصلحة العامة.

وتابع: القانون يعمل على متابعة حركة التأليف القائمة؛ لحصر المؤلفات الموجودة بما يضمن حق المؤلف من التحريف والتزييف والسرقات العلمية، ويشمل الكتب والكتيبات والصور الفوتوغرافية واللوحات الفنية والأقراص المدمجة.

وحول آلية التسجيل، أضاف الشريف: يقوم المؤلف بتقديم طلب لوزارة الثقافة للحصول على رقم إيداع، وبعد تقييم المؤلفات يمنح الرقم"، مؤكداً حرص الوزارة على التأكد من خلو المؤلفات من كل ما هو مخالف للأعراف والعادات والتقاليد والشريعة والعقيدة.

ويبدو أن للانقسام دوره الفاعل في تقسيم الجانب الثقافي الفلسطيني، في قطاع غزة يتم العمل على سن قانون من جانب واحد لكنه لا يحل المشكلة في ظل هذا الوضع السياسي المعقد، بالإضافة إلى هجمة الاحتلال الشرسة على التراث والمؤلفات الفلسطينية من قبل كتاب داخل الخط الأخضر صعبت الأمر على الكاتب الفلسطيني للمطالبة بحقه، فلجأ لنشر مؤلفاته خارج فلسطين، وهو الأمر الذي لا يحافظ على حقه كما أن مؤلفاته لا تصله في أغلب الأحيان خاصة في قطاع غزة.

 كما أن عدم إقرار قانون حقوق المؤلف لغاية هذه اللحظة في المجلس التشريعي الفلسطيني في رام الله قد أثر بشكل كبير على عدم إقرار نظام إيداع المصنفات الذي يتبع قانون حقوق المؤلف والذي أدى بدوره إلى عدم وجود مكتبة وطنية فلسطينية تحوي كل الكتب الفلسطينية التي تحصل على رقم إيداع لحفظها من السرقة والتحريف.

 وهنا لا بد لنا أن نعترف أن هذه العشوائية في الحفاظ على حقوق الكاتب قد تجعل تاريخا طويلا من الأدب والفنون والتاريخ مهددا بالضياع!