للشهيد ياسين...الخطوة الأخيرة للقدمين المتعبتين

للشهيد ياسين...الخطوة الأخيرة للقدمين المتعبتين
للشهيد ياسين...الخطوة الأخيرة للقدمين المتعبتين

رشا فرحات

ربما ستضحك لو تشاركت مع الشهيد ماهر ياسين كما كل أصدقائه، قصة كنيته" أبو جهاد" فمنذ الصغر وكل الحارة تعرفه بهذه الكنية هو وشقيقه التوأم رائد الذي يعاني من إعاقة مشابهة وكان سكان المخيم يلقبونه هو الآخر بأبو عمار.

ولذلك قصة يحفظها كل الجيران، ففي ذات مرة وهو صبي صغير هجمت دوريات الاحتلال على منزلهم، مدعية أنهم يخبئون أبو جهاد وأبو عمار لديهم، وبدأوا بالصراخ وهم وقوف على الباب، أخرج أبو جهاد، أخرج أبو عمار!

فأشار والدهما أن يخرجا ساخرا من جنود الاحتلال المنتظرين على الباب، فخرج عليهم ماهر ورائد بثياب الفقر وقدم شبه معوجة، هي اعاقتهما التي تسبب بها مرض ألم بهما منذ الصغر، فبدأت الحارة بمناداته بأبي جهاد وشقيقه بأبي عمار على الرغم من أنه أنجب خمس فتيات بعد زواجه، حتى رزقه الله بجهاد الذي لم يتجاوز العامين وهو يودع والده يوم الجمعة الماضية، دون أن يعي تماما معنى الوداع والرحيل.

ولكن، ما الذي حدث؟!

ما حدث هو ما يحدث كل جمعة، إنه البحث عن وطن، البحث عن حقوق ضائعة، المطالبة والإصرار عليها، حتى لا يضيع الحق، لأن وراءه كل هؤلاء المطالبين، وأبو جهاد واحد منهم، خرج في الجمعة التاسعة والثلاثين بذات القوة التي خرج بها في الجمعة الأولى، لم يتخلف في أي منها عن المشاركة.

 في كل مرة كان الاصرار يزداد أكثر، حتى رسمت الجمعة الماضية نهاية تليق بقدمي البطل اللتان تسوقانه أسبوعا بعد أسبوع رغم حركتهما الضعيفة، وكأن ذلك الصعود إلى الحافة كان خطوته الأخيرة، التي أصر على أن تكون باتجاه الوطن أيضا.

ودخلت رصاصة متفجرة في الرأس، ليست رصاصة خاطئة، فرصاصات المحتل لم تكن لتخطئ، بل هي تستهدف منذ البداية الأطفال والمعاقين والمسالمين، لم تعطه ببساطة فرصة لاستنشاق الهواء الأخير، فخرجت الروح من لحظتها تلك، تاركة وراءها خمس فتيات وشقيق واحد فريسة الحاجة والعوز ورمزا للتشبث بالحياة.

 

وفي منزل الشهيد، يتجلى الرحيل بأسوأ أشكاله، تعيش العائلة مستورة بجدران مخيم النصيرات، لا يعلم سر أوجاعها إلا الله، فيزيد معنى الفقد من صعوبته، برحيل المعيل الوحيد للعائلة، ذلك الرجل الذي تعرفه كل حارات المخيم، لطيبته واقدامه على مساعدة الجيران، وستره رغم عوزه، وشكره رغم حاجته فأحبوه جميعا وأوجعهم رحيله.

تقول شقيقته التي تبكي رحيله: أخي كان مسكينا، يبحث عن ستر الدينا والآخرة، ويركض وراء لقمة العيش، ولكنه لم يكن ليتغيب يوما عن المشاركة في المسيرات منذ اليوم الأول، رغم مرضه واعاقة قدمه.

تقول عن تلك اللحظة: ذهب برفقة شقيقي الآخر رائد، الذي كان يستعجله قبل لحظات حتى يدركوا مكانا لهم في الباص المتوجه إلى الحدود، وقبل غروب الشمس وصلتنا مكالمة من رائد تقول لنا بإن ماهر قد أصيب إصابة بالغة، وما هي إلا لحظات حتى هاتفنا مرة أخرى ليخبرنا أنه استشهد.

ابنته التي لم تتجاوز خمسة عشر عاما صرخت بحنجرة مختنقة: أبي لم يطلق رصاصة، ولم يقترب حتى من السياج، ولم يمسك حجرا، كان ينزل من الباص في تلك اللحظة، ولم يكاد يخطو خطوته الأولى حتى تمكنت منه رصاصة القناص الإسرائيلي، ما الذي فعله أبي، ما الذي فعلناه نحن حتى نتذوق مرارة اليتم؟!

بينما تشير إلى شقيقها جهاد الذي بات يتيما دون أن يعرف أباه حق المعرفة وتقول: أريد حقي وحق أبي وأخواتي وحق أخي الصغير الذي لم يتجاوز عامين، أريد حق كل الشهداء الذين رحلوا حتى اللحظة.

واستشهد أربعة مواطنين وأصيب 40 آخرين بينهم 4 مسعفين وصحفيان جراء إطلاق قوات الاحتلال النار والغاز المسيل للدموع لقمع آلاف المشاركين في الجمعة الـ 39 لمسيرات العودة