بدأ الاختبار ومحمد الجحجوح هو الناجح الوحيد

والدة الشهيد محمد جحجوح
والدة الشهيد محمد جحجوح

الرسالة نت - رشا فرحات

ذاكر محمد الجحجوح هذا العام كثيرا، أكثر من أعوام سابقة، متسابقا مع الزمن، يريد أن يحصل على الوعد الذي قطعه له والده، "فإذا ما تفوقت يا محمد سأشتري لك جهاز جوال جديد" هكذا قال. لم يمهله الوقت لتنفيذ وعده، ولم يعط محمد الفرصة ليحاول، فقد كان الموت أسبق ورصاصة المحتل أقدر على بتر الأحلام إلى نصفين، وتعليقها على باب عائلة الجحجوح بأنصافها، ليبكي الأب بحرقة وتحدق الأم فيها كل صباح، ثم تتذكر أن يوم الأحد كان أول يوم اختبارات نهاية الفصل للصف الحادي عشر وبأن محمد فقط لن يكون حاضرا في الصف، لكن ورقته ستكون حاضرة، وضمة من الأزهار على مقعده، وضعها زملاؤه لتذكرهم بأن روحه معهم وإن غاب الجسد.

ولكن، ما الذي حدث يوم الجمعة الماضية للشاب الصغير الذي تعود المشاركة في كل جمعة، بسلمية بحته، لماذا يقتل بدم بارد وهو الذي كان بعيد نسبيا عن السلك الحدودي، كما يقول ابن عمه أحمد الذي كان إلى جواره.

وصف أحمد "للرسالة" كيف اخترقت الرصاصة رقبة محمد في ثوان وارتقى من فوره شهيدا، ورغم بعده عن السلك، ووقوفه متفرجا لا أكثر، لكن الجندي الجالس على الحدود يعرف كيف يقتنص ضحاياه!

محمد أحد ثلاثة أشقاء، هو أوسطهم، وربما كان أقربهم إلى قلب والديه، بكاه والده بحرقة حتى فقد وعيه في المستشفى، وهو يرى جسده الممدد في ثلاجة الموتى بمستشفى الشفاء، ولقد كان يمني النفس بكلمة أو كلمتين فلربما كان هناك خطأ في ذكر الاسم، وربما لم يكن ابنه محمد هو من سيودعه بعد دقائق.

ولكنه كان، ولم تصدق عيناه ما رأى، محمد ابن الستة عشر عاما، ممدد ملتف في اللون الأبيض، بينما يحاول كل من حوله تهدئته، ليتجرع مرارة الوجع، وصدمة الفقد، محمد الذي كان يحمل في قلبه كثيرا من الأحلام، محمد الذي وعده بأن يقدم له هدية نجاح تليق بتفوقه، لن يأخذ الهدية!

وبينما ضعف والده أمام الكاميرا وسقطت دموعه جلست الأم بإصرار تستذكر مناقب ابنها، فتبكي لحظة وتبتسم لحظة وتتأمل كيف للأقدار أن تتغير هكذا فجأة واصفة ما حدث في الجمعة التاسعة والثلاثين بكل ما يسكن صدر الأمهات من حنين.

 تقول:" سأبدأ الحديث عما حدث قبل يوم الجمعة، ففي يوم الخميس ذهب ابني لحلق شعره، فعاد بهي الطلة، أبيض الوجه، مبتسما، ولم أره مبتسما وضاء كتلك اللحظة، فقلت له: كم أنت جميل يا محمد، الله يرضى عليك يمه، مثل البدر وجهك بضوي، وقبلته كثيرا وضممته إلى حضني، كنت متعجبه من هذه المشاعر التي سكنتني فجأة، وكأني أرى ابني للمرة الأولى!

وفي اليوم التالي تزايدت ارهاصات الوداع أكثر، فبدأ محمد يشعر بأن هناك خَطبا سيحصل، وحينما سألته أمه: ألن تذهب إلى ملكه هذا الأسبوع قال: لن أذهب اليوم، أنا أشعر بأني لو ذهبت فسوف استشهد، ولا أريد أن أموت، لا أريد لقلبك أن يحترق لرحيلي، لن أسمح بأن يوجع قلبك يا أمي، لن أذهب اليوم إكراما لك.

وتكمل أم محمد قصتها: ابتسمت، وقلت له لا أستطيع الحياة بدون أحد منكم، لا أطيق فقدك أو فقد أي من أخويك، ولكن القدر أبى إلا تجرعا للوجع، وخرج محمد.

ورغم أنه قال لأمه إنه لن يذهب اليوم، بل هو ذاهب ليتمشى مع بعض أصدقائه، إلا أنه غير رأيه في ذات الساعة وذهب إلى ملكة، وتحققت نبوءته، وكان محمد الحججوح أحد الأربعة الذين استشهدوا على الحدود في جمعة جديدة لمسيرات العودة.

وكانت قد أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية عن استشهاد ثلاثة أربعة وإصابة 40 آخرين برصاص قوات الاحتلال الاسرائيلي شرق قطاع غزة، من بينهم صحفيين اثنين و4 مسعفين. بعد اعتداء الاحتلال على المتظاهرين المشاركين في فعالياتها الجمعة التاسعة والثلاثين من مسيرات العودة.