الكوفية الفلسطينية.. من الرمزية النضالية إلى عالم الموضة

دد من دور عرض الأزياء بدأت تستلهم الكوفية التي تعتبر من رموز الكفاح الفلسطيني
دد من دور عرض الأزياء بدأت تستلهم الكوفية التي تعتبر من رموز الكفاح الفلسطيني

الرسالة نت – وكالات

باتت الكوفية الفلسطينية، وهي في الأصل وشاح الفلاحين والبدو التقليديين، تلبس الآن في جميع أنحاء العالم، وحتى في رموز الموضة كما وقع في عرض أزياء بلنسياغا التي تعتبر من عروض القمة في العالم.

وجاء في مدونة الأكاديمي الفرنسي جان بيير فيليو على صحيفة لوموند أن مجلات الموضة والمواقع المتخصصة تهتم بانتظام بالكوفية الفلسطينية، سواء كانت ترتدى كحجاب، أو كعنصر إلهام في الفساتين والسترات والأحزمة أو السراويل القصيرة.

وقال المدون إن المفارقة في الأمر أن محبي الموضة وغيرهم من أتباع أسلوب الشارع باتوا مقبلين على الكوفية. مضيفا أن تاريخها يستحق أن يروى ولو بشكل مختصر، إذ كانت النخب الفلسطينية في بداية القرن العشرين تعتمر القبعة الغربية أو الطربوش العثماني.

ولكن "الثورة العربية الكبرى" التي غذاها عدم قدرة النخب الفلسطينية على مقاومة كل من الحكم البريطاني والتوسع الصهيوني في فلسطين من 1936 إلى 1939، تحولت لحرب عصابات وحركة مناهضة بقوة للاستعمار انطلقت من الأرياف لتستقر في مدينة القدس القديمة.

أوامر غامضة

وفي خضم الأحداث، لاحظ الدبلوماسيون الفرنسيون أن "أوامر صدرت في ظروف غامضة منعت العرب من اعتمار الطربوش، وفرضت أن تكون الكوفية من ذلك الوقت غطاء رأس أي وطني واع" تمجيدا للمزارع الفلسطيني الذي يدافع عن أرضه.

وبذلك أصبحت الكوفية ذات الزخارف السود على خلفية بيضاء رمزا، ووظفتها حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) وغيرها من الحركات الفدائية في الستينيات لقلب التسلسل الهرمي الاجتماعي لدعم دعايتها الثورية.

وعندما دعي الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات إلى منصة الأمم المتحدة عام 1974 كرئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية كان يعتمر كوفية السوداء على خلفية بيضاء، حسب ما قاله المدون.

وظلت الكوفية رمزا للفدائيين أثناء الأزمات في لبنان والاجتياح الإسرائيلي لهذا البلد في عام 1982، لتصبح بعد ذلك أيضا سمة المتظاهرين الذين يتحدون الاحتلال الإسرائيلي من 1988 إلى 1993 في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وأثناء تلك المظاهرات التي عرفت باسم "الانتفاضة" كانت الكوفية قناع الشبان المشاركين الذي يخفف من تأثير الغاز المسيل للدموع، ولكنه فوق ذلك رمز قومي وهو اللباس الذي يعادل العلم الفلسطيني في رمزيته.

وقد كانت الكوفية الفلسطينية عندما يعلقها الشاب الغربي في عنقه في السبعينيات تحيل للناشطين المتضامنين مع الفلسطينيين على خلفية من الرومانسية الثورية، ولكنها مع الجيل الموالي في الغرب أصبحت رمزا وشكلا من أشكال التضامن مع الثوار الشباب في الانتفاضة الذين يتلثمون بالكوفية.

أما في بداية هذا القرن، فيقول الأكاديمي الفرنسي إن الكوفية استقطبت اهتمام رواد الأعمال ثم مصممي الأزياء، مما أثار كثيرا من الجدل، إذ اضطرت سلسلة متاجر "أوتفيتر" الأميركية أن تسحب من متاجرها الكوفية المتعددة الألوان في عام 2007 بسبب "الطبيعة الحساسة لهذا المنتج".

زي ورمز

وبذلك يقول المدون إنها استسلمت لحملة احتجاج قوية ترى في الكوفية رمزا للمقاتلين العراقيين والجهاديين في جميع أنحاء العالم، غير أن البعد الفلسطيني لهذا المنتج لا يزال يمثل مشكلة بالنسبة لمعارضي الكوفية.

والملاحظ أن الكوفية باتت تستورد إلى فلسطين نفسها في الغالب من الهند أو الصين، خاصة عندما تكون معروضة للسياحة، أما مصنع الكوفية الوحيد في الضفة الغربية فيقع في الخليل، حيث أسسه ياسر حرباوي عام 1961 ويديره اليوم أبناؤه الثلاثة.

وقد وضع هذا المصنع مبيعات الكوفية على الإنترنت للهرب من القيود المتعددة الأوجه التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي، مثل رفضها النموذج التقليدي الذي أنتج تحت مسميات غزة أو جنين أو بيت لحم.

أما في الأردن، فإن لاجئين فلسطينيين من مخيم جرش قادمين من غزة قاموا بتصميم مجموعة أصلية من الكوفية، لكن هذه التطور يرافقه نوع من "تأنيث الكوفية" المتزايد الذي يدعمه طلب عملاء الكوفية الدوليون، حسب المدون.

ولاحظ فيليو في ختام مقاله أن قليلا جدا من القادة الفلسطينيين الآن هم من يرتدون الكوفية، مثل الرئيس محمود عباس الذي خلف عرفات عام 2005 كرئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية.

وختمت مدونة لوموند بأن الكوفية رغم بقائها عنوانا لاستمرار القضية الفلسطينية، أصبح انتشارها على مستوى العالم يميع دلالتها وبالتالي يخفف من أهميتها السياسية.

المصدر: الصحافة الفرنسية