شهر رمضان شهر رمضان

"السويدية".. قرية برفح تنتظر الغرق والحلول عالقة!

"السويدية".. قرية برفح تنتظر الغرق والحلول عالقة!
"السويدية".. قرية برفح تنتظر الغرق والحلول عالقة!

الرسالة نت - محمود فودة

قدوم المنخفض الجوي ليس خبرا سعيدا للمواطن محمد أبو عودة أحد سكان قرية السويدية جنوب غرب مدينة رفح جنوب قطاع غزة، إذ يقضي ساعات المنخفض متفقدا أبناءه وعيناه ترنو إلى البحر الذي يقترب من منزله مع مرور الأيام إلى أن أصبح على بعد ستة أمتار، بينما يتوقع أن يأتي الشتاء القادم وحائط منزله يلاصق مياه البحر.

وعلى مدار السنوات الماضية لم يكل أهالي القرية في مناشدة كل الأطراف الحكومية للنظر بعين الاهتمام لقريتهم التي يتهددها الغرق بسبب ظاهرة زيادة تآكل الشاطئ بصورة لافتة، عدا عن تآكل منازلهم القريبة من البحر، والتي مضى على بنائها خمسة عقود تقريبا.

ويقطن في القرية السويدية أكثر من 2200 مواطن منذ النكبة عام 1948، بينما كانت منازلهم من الصفيح إلى أن مر وفدٌ سويدي من المنطقة، فدعم قائد عسكري سويدي كان برفقة الوفد أهالي القرية بمبلغ مالي، أنشأوا من خلالها عشرات المنازل، وعليه سميت القرية بهذا الاسم منذ ذلك الحين.

وبرغم امتداد أزمة القرية نتيجة تآكل الشاطئ على مدار السنوات الخمس الماضية، وفي ظل تجاهل الجهات الحكومية والدولية لمناشدات القرية، وبلدية رفح التي تسعى بإمكانياتها المتواضعة لإيجاد حلول موضعية للأزمة، والحد من آثارها، كان لزاما على "الرسالة" تسليط الضوء على الكارثة المحتمل وقوعها في القرية خلال المرحلة المقبلة بدون سابق إنذار.

أصل المشكلة

وللاطلاع على تفاصيل الأزمة، التقت "الرسالة" رئيس بلدية رفح صبحي أبو رضوان الذي قال إن أصل المشكلة يتمثل في إنشاء الجانب المصري للسان بحري قبل عشر سنوات، ما أدى إلى نحر الشاطئ في الجانب الفلسطيني مع مرور الوقت، خصوصا في ظل توسيع الجانب المصري للسان ما زاد من تأثيره السلبي على الشاطئ الفلسطيني برفح.

بلدية رفح: اللسان البحري المصري أوجد لنا كارثة بيئية

وأضاف أبو رضوان أن الآثار السلبية لوجود اللسان البحري في الجانب المصري تمثلت في زيادة تآكل الشاطئ (نحر في الساحل)، ما أدى إلى تقدم مياه البحر تجاه الأحياء السكنية القريبة من الساحل، بالإضافة إلى زيادة تداخل مياه البحر مع المياه الجوفية.

وأشار إلى أن بلدية رفح وسلطة جودة البيئة رصدتا في عام 2014، من خلال تصوير جوي وأرضي، بدء تآكل وانجراف للساحل، وتقدم المياه تجاه المنازل السكنية، ما ينذر بكارثة بيئية حقيقية خلال سنوات قليلة بسبب اللسان البحري الذي أقامته السلطات المصرية قبل سنوات على بعد 1900 متر من الحدود الفلسطينية المصرية، وبعمق 200 متر داخل البحر.

وما بين عامي 2010 - 2014م، انحسر الشاطئ مقابل القرية السويدية بحوالي 12 مترا، حيث تقلصت مسافة رمال الشاطئ من القرية للساحل من مسافة 66 مترا إلى مسافة 54 مترا، فيما حذرت بلدية رفح من أن نحر الشاطئ مقابل مخيم اللاجئين "القرية السويدية" برفح سيشكل خطرًا مُحققا على المنازل والسكان في أي مُنخفض قادم.

وفي التعقيب على ذلك من الناحية البيئية، حصلت "الرسالة "على رد من المهندس بهاء الدين الأغا مدير عام الإدارة العامة لحماية البيئة في سلطة جودة البيئة الذي قال إن إنشاء اللسان البحري يؤدي إلى حجب الرمال من التوجه للشاطئ، إذ أن اتجاه التيار الحامل للرمال يكون من الجنوب للشمال في معظم الوقت.

وأضاف أن حجب الرمال يكون من خلال وجود جسم يحجز الرمال يمنع التيارات المتجهة للشمال، فيما تترسب الرمال في المنطقة الجنوبية للسان، مع تآكل الشاطئ في المنطقة الشمالية، وعدم اكتمال حركة تركيب الرمال.

وأوضح أن الحل يكمن في إنشاء حواجز لاصطياد الرمال التي يجب أن تترسب في الشاطئ وهذه الحواجز مزيج من كواسر الأمواج العرضية والطولية مع الشاطئ، فيما يكون في كل 300 متر حاجز للاصطياد، إلا أن هذا المشروع يصطدم بعدم توافر التمويل.

لجنة الطوارئ: في أي منخفض المياه ستغمر القرية

وشدد على أن الوضع الذي وصل إليه الشاطئ في مدينة رفح بات خطيرا للغاية ويهدد بانهيار القرية وشارع الرشيد بأكمله خلال الفترة المقبلة، ما يتطلب تحركا جادا من كل الأطراف المعنية في أقرب وقت ممكن لإنقاذ المنطقة من التآكل والانغمار بمياه البحر.

المنخفضات تزيد الأزمة

وتتزايد مساحة نحر الشاطئ وتقترب مياه البحر من منازل المواطنين بشكل سريع بالتزامن مع قدوم المنخفضات الجوية إلى المنطقة، ما جعل المنخفضات نذير شؤم لدى سكان القرية الذين لا يجدون شيئا يحمون به منازلهم من خطر الغرق الذي يتهدد قريتهم في أي منخفض جوي.

ومع كل منخفض تهرع طواقم بلدية رفح إلى إيجاد حلول موضعية للأزمة، من خلال وضع سواتر رملية أو بقايا المنازل المهدمة وما يتم جمعه من مواد اسمنتية، إلا أنها تذوب في كل مرة بفعل قوة الأمواج التي تصاحب المنخفضات الجوية.

وفي تفاصيل ذلك، يقول المواطن محمد أبو عودة إن المنخفضات تشكل هاجسا لكل سكان القرية من خطر دخول المياه للمنازل في أي لحظة في حال ارتفاع مستوى الموج وانهيار شارع الرشيد الذي بات الفاصل الوحيد بين القرية والبحر.

وأضاف أبو عودة في حديثه لـ"الرسالة" أنهم ناشدوا كل الأطراف للتدخل العاجل لحل أزمة قريتهم، من خلال إنشاء حاجز صد اسمنتي، بالإضافة إلى إعادة بناء المنازل التي اهترأت بسبب الرطوبة العالية، وعدم تمكن السكان من إعادة ترميمها بسبب ظروفهم الاقتصادية الصعبة، خصوصا في ظل تراجع أعمال الصيد والزراعة التي تمثل المهن السائدة بين سكان القرية.

وقبل أسبوعين، وبعد فشل المناشدات التي وجهتها بلدية رفح ممثلةً بلجنة الطوارئ إلى كل الجهات الحكومية والدولية والإنسانية، في إيجاد خطة عمل مشتركة أو دعم من أي جهة لصالح إنشاء جدار اسمنتي يقي القرية من خطر الغرق، اتجهت البلدية وبمساعدة أهالي القرية إلى استخدام بعض الأدوات في إنشاء حاجز يحمي البيوت.

وفي تفاصيل ذلك، قال أسامة أبو نقيرة رئيس لجنة الطوارئ الذي اصطحب معد التحقيق إلى مكان عمل طواقم البلدية إننا ناشدنا كل الجهات المحلية كوزارة الأشغال والنقل والمواصلات والحكم المحلي والجهات الدولية كوكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا" ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الانسانية "أوتشا" واللجنة القطرية لإعمار غزة وغيرها من المؤسسات.

وزارة الأشغال: لا توجد استجابة للنداءات التي وجهناها للحكومة والمانحين

وأضاف أبو نقيرة أن كل الجهات تجاهلت الأزمة الحاصلة في شاطئ بحر رفح عامة، وما يحصل للقرية السويدية على وجه الخصوص، عدا وزارة الأشغال التي أرسلت عدد من آلياتها لمساعدة البلدية في إنشاء حماية مؤقتة للتقليل من آثار المنخفضات التي تضرب المنطقة منذ ديسمبر الماضي.

وباستخدام حاويات القمامة الحديدية التي حشوها بالرمال وبقايا الخرسانة المسلحة التي جرى جمعها من مناطق متفرقة من رفح، وكذلك بتعبئة أكياس من الرمال، عملت البلدية بمساعدة أبناء القرية على إنشاء حماية مؤقتة استطاعت درء الخطر عن القرية في المنخفضات الحالية، إلا أنها لا تستطيع الصمود أمام المزيد من المنخفضات وحالة نحر الشاطئ المتزايدة مع مرور الوقت.

"الأشغال" تحاول

وخلال زيارة المكان لاحظنا نشاطا كبيرا لآليات تتبع وزارة الأشغال العامة والإسكان، في مساعدة بلدية رفح على إنشاء حماية مؤقتة قبالة القرية المهددة بالغرق، بعد أن تسبب اللسان البحري المصري في تآكل الشاطئ بشكل كامل، وسقوط أعمدة الإنارة في المنطقة، ووصول المياه إلى الاسفلت الذي يفصل بين البحر ومنازل السكان.

وعن دور الوزارة ومهمتها في هذه الأزمة، التقت "الرسالة" بوكيل الوزارة إبراهيم رضوان الذي قال إن وزارة الأشغال تداعت إلى دعم بلدية رفح فور وصول المناشدة التي وجهتها البلدية، من خلال إرسال الطواقم الفنية والآليات اللازمة للعمل على شاطئ البحر.

وأضاف رضوان أنه برغم ضعف الإمكانات التي تملكها الوزارة إلا أنها تمكنت من مساعدة بلدية رفح في إقامة الحماية المؤقتة من خلال نقل المواد الاسمنتية من معامل الباطون وبقايا عمل الكسارات إلى الشاطئ، من ثم تهيئة المكان لاستقبال المواد وفردها بطريقة هندسية تمكنها من التصدي المؤقت للأمواج العالية التي ترافق المنخفضات.

وأشار إلى أن وزارته رفعت مشروع حماية الشاطئ في رفح وغيرها من مناطق القطاع إلى الحكومة برام الله والمؤسسات المانحة على مدار السنوات الماضية، إلا أنها تلقت وعودا دون أي عمل حقيقي على أرض الواقع، ما يهدد الشاطئ بالمزيد من النحر خلال الأشهر المقبلة.

سلطة الموانئ: نحن بصدد تقييم الموقف والبحث عن حلول هندسية

وتجدر الإشارة هنا إلى أن وزارة الأشغال العامة هي الجهة الوحيدة التي استجابت لنداءات ومناشدات الأهالي وبلدية رفح الداعية لسرعة التحرك في اتجاه حماية القرية من الغرق، فيما تجاهلت بقية المؤسسات الحكومية والدولية المناشدات برغم تكرارها.

ويلاحظ من الصور التي حصلت عليها "الرسالة" تراجع مساحة الشاطئ في منطقة القرية السويدية من 66 مترا في عام 2010 إلى أقل من 6 أمتار في عام 2017، بسبب منع اللسان البحري المصري للتيارات المائية القادمة من جهة الجنوب من حمل الرمال اللازمة للحفاظ على الشاطئ، إذ أن كان لسان بحري يؤثر على الجهة الشمالية منه وفقا للقوانين الهندسية في إنشاء الموانئ والألسن.

الأونروا تتهرب

وبالنظر إلى أن سكان القرية جميعهم من اللاجئين الفلسطينيين، فإن للأونروا نصيب من المسؤولية عن هذه القرية، خصوصا في ظل الخطر الداهم مع مرور الوقت، والذي بات بحاجة إلى تدخل سريع من كل الأطراف ذات الصلة، تواصل معد التحقيق مع إدارة "أونروا" في غزة للحصول على موقفها من القضية، ووضعها عند مسؤوليتها.

تواصل معد التحقيق مع المستشار الإعلامي للوكالة عدنان أبو حسنة، الذي طلب وقتا للتواصل مع إدارة الهندسة في الوكالة متمثلةً بالمهندس رفيق عابد، لعدم توافر معلومات لديه حول القضية، أو عن مدى مسؤولية الوكالة فيها، وبعد ساعات رد أبو حسنة بـالقول إن "القرية ليست من ضمن مسؤولياتنا".

وفي سؤال عن أن في ذلك تهربا من مسؤوليات الأونروا اتجاه أكثر من 2000 لاجئ، قال أبو حسنة إننا مسؤولون عن توفير الكابونات والصحة والتعليم للطلاب في هذه القرية، إلا أن قضية بهذا الحجم ليس للأونروا مسؤولية فيها، لأن القرية ليست من ضمن المخيمات التي تلتزم الأونروا بتقديم كل احتياجاتها.

"الأونروا": القرية ليست من ضمن مسؤولياتنا

وبرغم حديث أبو حسنة عن تقديم المساعدات للقرية، إلا أن طلاب القرية كانوا يدرسون على مدار العقود الماضية في كرفانات حديدية بدعم من وزارة التربية والتعليم، إلى أن تم بناء مدرسة على بعد أكثر من كيلومترين من القرية، بالتعاون بين بلدية رفح ووزارة التعليم في عهد حكومة غزة السابقة، ما يعني تخليا كاملا من الأونروا عن خدماتها لهذه المنطقة.

سلطة الموانئ غائبة

وفي ظل أن السبب في نحر الشاطئ يعود إلى لسان بحري أنشأه المصريون، وكذلك بأن المياه اقتربت من تجريف شارع الرشيد الذي يبدأ من حدود القرية مع مصر، كان لزاما البحث عن موقف وزارة النقل والمواصلات خصوصا أن الأزمة ممتدة منذ عدة سنوات.

وحين حديث معد التحقيق مع خليل الزيان رئيس إدارة سلطة الموانئ البحرية، فإن الوزارة ما زالت في طور التجهيز لزيارة ميدانية للمنطقة التي تعاني من نحر الشاطئ منذ خمس سنوات، ووفقا للزيان فإن طاقم من سلطة الموانئ والوزارة سيزور منطقة الشاطئ برفح بتاريخ 17 يناير 2019.

وعن موقف الوزارة من الأزمة قال الزيان إننا بصدد زيارة المنطقة، والاطلاع الميداني على الموقف، والتأثيرات الحاصلة بسبب اللسان البحري المصري، ومن ثم إجراء تقييم يمكن من خلاله طرح الحلول الهندسية اللازمة لوقف نحر الشاطئ، خصوصا في منطقة القرية السويدية.

وبحسب ما اطلع عليه معد التحقيق، فإن الحل يكمن في إنشاء حاجز اسمنتي على طول شارع الرشيد في مدينة رفح، التي بات يعاني غالبية شواطئها من النحر، بميزانية تبلغ 1.200.000 دولار أمريكي تقريبا، إلا أن عدم توافر داعم أو مانح للمشروع سيفاقم الأزمة وخلال الفترة المقبلة.

وفي ختام التحقيق، فإن "الرسالة" توصي بضرورة تداعي كل الأطراف الحكومية والدولية في سبيل إيجاد الحل الجذري للأزمة الراهنة في شاطئ بحر مدينة رفح، والوقوف عند مسؤولياتها أمام الكارثة الإنسانية التي قد تحل بسكان القرية في أي لحظة، في حال عدم إنجاز المشروع الهندسي اللازم للحفاظ على منع المياه من اجتياز شارع الرشيد باتجاه منازل المواطنين.