عُمال بغزة.. حقوق مهدورة وقضايا مُعلقة داخل المحاكم

عُمال بغزة.. حقوق مهدورة وقضايا مُعلقة داخل المحاكم
عُمال بغزة.. حقوق مهدورة وقضايا مُعلقة داخل المحاكم

تحقيق الرسالة - محمد عطا الله

لم تشفع إصابة العامل أبو أحمد له أثناء عمله والتي اقعدته طريح الفراش قرابة العامين، دون أن يلقى أي تحرك من شركة التأمين أو رب العمل الذي يعمل عنده لعلاجه بعد إصابته بكسور شديدة في الحوض.

الأربعيني أبو أحمد –اسم مستعار- الذي يعمل في مجال البناء في مدينة خانيونس جنوب القطاع، بات يتوسل العلاج من شركات التأمين ورب العمل بعد أن سقط أثناء عمله، وأصيب بكسور في حوضه تركته طريح الفراش لسنوات، فيما أجبر على الانتظار في قوائم الانتظار الطولية ليصل دوره لإجراء العملية الجراحية اللازمة له، وسط رفض شركة التأمين إجرائها في مستشفى خاص؛ لتكاليفها الباهظة.

لا تختلف الحال كثيرا لدى العامل أبو سمير الذي فقد أصابع يده أثناء عمله في منجرة، فقد تنكر صاحب المنجرة في تعويضه وتركه لشركة التأمين التي ساومته على الحصول على 20% من التعويض الذي رصد له والتنازل عن باقي المبلغ.

 ابتزاز ومساومة

ورغم إصرار العامل الذي فقد ثلاثة من أصابع يده اليُسرى على التمسك بحقه في التعويض بشكل كامل، إلا أنه وجد نفسه مجبرا على التوجه إلى المحاكم وتقديم شكوى في رب العمل وشركة التأمين التي تبتزه في حقه.

ويقول أبو سمير إن شركة التأمين ترفض دفع التعويض وفق الحد الأدنى لأجور العمال الفلسطيني والذي ينص عليه القانون والبالغ قيمته 1450 شيكلا، ولا تقبل سوى دفع مبلغ مساوي لما كان يتقاضاه من رب العمل الذي يرفض هو الآخر دفع فارق التعويض وفق القانون الفلسطيني.

وينتظر الرجل صاحب البشرة القمحية منذ سنوات أن تفصل المحكمة في قضيته، بعد أن تُرك وأطفاله دون مقدرته على العودة إلى العمل لتوفير قوت يومه.

المادة (90) في قانون العمل الفلسطيني رقم 7 لسنة 2000 تنص على ضرورة توفر وسائل الحماية الشخصية والوقاية للعاملين من أخطار العمل وأمراض المهنة والشروط الصحية اللازمة في أماكن العمل ووسائل الإسعاف الطبي للعمال في المنشأة والفحص الطبي الدوري لهم.

ويستغل أرباب العمل ظروف العمال المعيشية والاقتصادية الصعبة التي يمرون بها في قطاع غزة المحاصر للعمل لديهم بأجور متدنية لا يُراعى فيه الحد الأدنى من متطلبات الحياة الإنسانية أو توفير أدنى مقومات الأمن والسلامة للعمال دون أي رادع أخلاقي وقانوني وفي ظل غياب الدور المطلوب من الجهات المسؤولة في تنفيذ القانون.

ما سبق دفع مُعد التحقيق للوقوف والبحث خلف تلك الظواهر، لا سيما وأن قانون العمل الفلسطيني رقم 7 لسنة 2000 ينص على ضرورة توفير وسائل الحماية الشخصية والوقاية للعاملين من أخطار العمل وأمراض المهنة والشروط الصحية اللازمة في أماكن العمل ووسائل الإسعاف الطبي للعمال في المنشأة والفحص الطبي الدوري لهم، إلى جانب ضمان توفير الحد الأدنى لهم في الأجور.

 بلا عقود عمل

ويؤكد نضال غبن مدير مركز الديمقراطية وحقوق العمال، أن العٌمال يتعرضون لانتهاكات جسيمة تتعلق في عدم توفر وسائل الوقاية والسلامة المهنية لهم أثناء عملهم، إلى جانب أن أغلبهم بلا عقود عمل أو شروط متفق عليها تخضع لمظلة أحكام القانون الفلسطيني الخاص بالعمال؛ مما يترك الباب مفتوح أمام أرباب العمل لابتزازهم وإهدار حقوقهم.

ويوضح غبن خلال حديثه لـ"الرسالة" أن أغلب العمال يعملون في بيئة تفتقر لمقومات السلامة لديهم في حال إصابتهم، بالإضافة إلى عملهم بأجور زهيدة لا ترتقي للحد الأدنى المنصوص عليه في القانون، مما يجعلهم تحت خط الفقر المدقع.

ويُبين أنه لا يوجد لديه أو لدى وزارة العمل أي إحصائية دقيقة حول عدد الإصابات والانتهاكات التي تمس بالعمال؛ مرجعا ذلك إلى أن أغلب القضايا يتم تسويتها بعيدا عن الجهات الحكومية والمختصة دون أن تُسجل.

ويشير مدير مركز الديمقراطية وحقوق العمال إلى وجود العديد من القضايا لديهم في الدائرة القانونية، والتي يتنكر فيها أصحاب العمل على دفع المستحقات والتعويضات للعمال المصابين أثناء عملهم، مشددا على أنه غالبا ما يلجأون للقضاء لتقديم شكاوى بهذا الخصوص.

ووفق المادة (92) من قانون العمل فإنه لا يجوز لأي منشأة تحميل العامل أي نفقات أو اقتطاعات من أجره لقاء توفير شروط السلامة والصحة المهنية

ويلفت إلى وجود حالة لا يستهان بها من عدم الالتزام والضبط في هذه القضية، مبينا أن الملفات بحاجة لنظام وطني يضمن للعامل الحصول على حقوقه بشكل كامل دون مساومة أو ابتزاز.

ويُلقي غبن بالمسؤولية على الجميع وخاصة وزارة العمل التي يتهمها في ضعف الرقابة والتفتيش نتيجة محدودية طاقمها، إلى جانب العمال أنفسهم وأرباب العمل الذين لا يلتزمون بتوفير الحماية وأدوات السلامة للعمال وصولا إلى انتهاك حقوقهم.

  الحلقة الأضعف

ويعتقد رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال في قطاع غزة سامي العمصي، أن شريحة العمال في القطاع تعاني من انتهاكات جسيمة لا توصف، ويتم استغلالهم وابتزازهم في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

ويقول العمصي لمُعد التحقيق إن العامل الحلقة الأضعف الذي يصمت عن انتهاك حقوقه ولا يجرؤ أن يرفع صوته أو يشتكي خشية أن يفصل من عمله، مبينا وجود انتهاكات كثيرة تصلهم وهي بحاجة إلى معالجة.

ويضيف أن قضايا العمال في المحاكم تحتاج إلى وقت طويل بل سنوات من أجل النظر فيها، محملا نفسه والجميع مسؤولية التقصير تجاه قضية العمال.

ويُشدد على غياب الدور الحكومي في الرقابة والتفتيش على أرباب العمل والمنشآت، مشيرا إلى أنهم كاتحاد لنقابات العمال يجرون دورات تفتيشية على المنشئات وأماكن العمل.

ويُشير إلى أن قانون العمل بحاجة إلى تعديل كون أن المنظومة لم تنصف العامل أو تحفظ حقوقه، منوها إلى أن الدور الأكبر في القضية مُلقى على عاتق الجهات الحكومية والمؤسسات الحقوقية والنقابية.

ويؤكد العمصي غياب السلامة المهنية لدى العمال في أماكن عملهم، إلى جانب حرمان مفتش وزارة العمل من الجهات المسؤولة من صلاحيته في معاقبة المخالفين، بالإضافة إلى تحايل أرباب العمل على القانون.

 مساومة وحرمان

وبحسب قانون العمل الفلسطيني، فلا بد أن يؤمن كل صاحب عمل أو منشأة على عماله، وأنه في حال لم يكن هناك تأمين على العامل، فإن صاحب العمل يتحمل كافة الأضرار والتعويضات التي قد يتعرض لها العامل، وهذا نتيجة طبيعية فمن تسبب بالضرر يلتزم بالتعويض.

شركات تأمين تبتز العمال عند اصابتهم بتعويضهم جزءا بسيطا من حقوقهم، وإلا أمامهم المحاكم التي تُبقي قضاياهم لسنوات داخل أروقتها.

ويرى المحامي على الجرجاوي أن قلة الوعي لدى العمال أنفسهم وجهل ذويهم في كل ما يتعلق بحقوقهم يجعلهم عرضة لانتهاكها واستغلالهم بالتحايل عليهم عند تعرضهم لإصابات أثناء عملهم.

ويؤكد الجرجاوي لـ"الرسالة" أن القانون ونصوصه كفل للعامل الحماية والحقوق الكاملة عند تعرضه للإصابة، وتوجب على صاحب العمل الالتزام بنظام التأمين لدى أحدى شركات التأمين وفق ما نظمه قانون التأمين الفلسطيني، لافتا إلى أن جهل العامل بهذا الأمر يجعله عرضة للابتزاز والمساومة.

ويوضح أنه يحق للعامل تقديم شكوى لمكتب النائب العام لفتح تحقيق في إصابته حتى عامين من تعرضه لها، ويغير التقرير الطبي في المستشفى عند اكتشاف أنه يتعرض لابتزاز حال أخل رب العمل في تقديم التعويض له.

ويبين أنه في حال وجود تأمين لدى الشركة التي يعمل بها فإن على الأخيرة فتحه للعامل المُصاب خلال 48 ساعة من الإصابة فيما يكفل القانون له حصوله على 75% من راتبه الأساسي الذي يتقاضاه لمدة لا تزيد عن ستة أشهر سواء من شركة التأمين أو رب العمل.

ويشير إلى أن المساومة تتم عندما يثبت تقرير "الكمسيون الطبي" للعامل نسبة العجز، وترصد له مبلغ التعويض، فتبدأ شركات التأمين وأرباب العمل في مساومته بإعطائه 20% من مبلغ التعويض أو ذهابه للمحاكم التي ستجبره على الانتظار لسنوات عديدة وفي نهاية المطاف سيحصل على التعويض بالتقسيط.

ونوه المحامي الجرجاوي إلى عدم وجود محاكم عمالية مختصة تنظر في هذه القضايا على وجه السرعة، لافتا إلى أن القضية العمالية وحقوق العمال مدرجة على جدول أعمال القاضي كباقي القضايا الأخرى؛ رغم نص القانون على ضرورة وجود محاكم عمالية مختصة.

 مسؤولية مشتركة

وبالعودة إلى مدير مركز الديمقراطية وحقوق العمال غبن فإنه يوضح أن المسؤولية تقع على كل الأطراف، فهناك اهمال لدى أرباب العمل والعمال أنفسهم في عدم الوقاية اللازمة واستخدام الأدوات السلامة المهنية، إلى جانب رقابة الجهات المسؤولة عليهم.

ويتابع " لا يوجد ثقافة مجتمعية في الصحة والسلامة ومؤخرا تم تشكيل وحدة السلامة المهنية وباشرت عملها لضبط هذا الجانب ووقعت اتفاقيات مع بعض الأنظمة".

أغلب العمال المنتهكة حقوقهم يتجهون إلى انهاء الخلاف مع أرباب العمل بشكل ودي دون تقديم شكاوي، خشية من التعرض للطرد من العمل

وأمام ما سبق كان لابد من طرق باب وزارة العمل في قطاع غزة والتي تُعد هي الجهة الرئيسية المسؤولة عن هذا الملف، وهناك قابلنا المهندس شادي حلس نائب مدير دائرة الرقابة والتفتيش في الوزارة، والذي أكد بدوره وجود خمسة أقسام تفتيش لديهم تجري زيارات ميدانية على المنشآت وأرباب العمل.

ويشدد حلس على أنهم يتخذون الإجراءات الصارمة بحق المخالفين، مبينا أن العقوبات تبدأ من التنبيه الشفوي وصولا لإغلاق بعض المنشآت في حال كان الأمر متعلق بالسلامة المهنية ووجود خطر على حياة العمال.

ويبين أن هناك ثقافة منتشرة عند العمال بأن الالتزام بوسائل الحماية والسلامة يعتبروها تعيق عملهم، بينما أصحاب العمل لا يوفرون المقومات على اعتبار أنها تثقل كاهلهم.

وعن دورهم في متابعة إصابات العمال يقول: " بخصوص إصابات العمل التي تقدم لنا من صاحب العمل نتخذ الإجراءات القانونية والتحقيق بسبب الإصابة، ونحول الملف للنيابة العامة لعمل اللازم حسب الأصول ".

ويشير إلى أن هناك قصورا من أصحاب العمل بتطبيق القانون بذريعة الوضع الاقتصادي المتردي إلى جانب مراوغة شركات التامين بدفع المستحقات لعامل بشكل كامل.

ويشدد على أن المسؤولية لا تقع على عاتقهم فقط بل هي مشتركة من الجميع، لافتا إلى وجود نقص حاد في كوادرهم التفتيشية، منوها إلى أن المنظومة كلها تحتاج إلى تدخل من كل الأطراف ووضع حلولا جذرية للانتهاكات التي تُمارس بحق العمال.

وأخيرا فإنه من الضروري الالتزام من جميع الجهات المسؤولة في وضع حد للانتهاكات التي يتعرض لها العامل، وتجاوزات أرباب العمل وشركات التأمين التي تحاول ابتزاز العمال ومساومتهم على حقوقهم، وتشديد الرقابة والتفتيش على منشئات العمل وإلزام العمال وأرباب العمل بتوفير مستلزمات السلامة والوقاية، لضمان الحماية للعمال وفق ما نص عليه قانون العمل الفلسطيني.