ماذا يريد نتنياهو من غزة؟

580 (7).jpeg
580 (7).jpeg

بقلم: ناصر ناصر

يثير اصرار نتنياهو اللافت للنظر على المماطلة و التملص و عدم تنفيذ التفاهمات مع المقاومة الفلسطينية في غزة و التي كانت قد تمت برعاية مصرية أممية قطرية ، و ذلك على الرغم مما يشكله هذا الامر من توتر و تصعيد مستمر وصل أحيانا لحد الهاوية أو المواجهة العسكرية الواسعة ، يثير هذا الاصرار تساؤلا حول سياسة نتنياهو و ماذا يريد بالضبط من غزة ، هل فعلا يريد اتفاق تهدئة ؟ أم انه يريد تهدئة مجانية تقبل بالحصار؟ ام انه يفضل الوضع الحالي و القائم على حلقة مفرغة من التفاوض ثم التفاهم ثم التراجع ثم التصعيد ثم التفاوض و هكذا ... ، و قد يتخلل الامر بعض التنفيذ الفعلي لبعض البنود البسيطة لضمان دوران هذه الحلقة المفرغة . 


من الواضح ان نتنياهو لا يريد التهدئة مع غزة أو الاتفاق مع فصائل المقاومة ( الارهابية ) بنظره ، و في نفس الوقت هو لا يريد حرب باهظة الثمن معها ، لذلك اختار على ما يبدو و دونما اعلان عن ذلك خياره تجاه غزة و القائم على استمرار الوضع الحالية ، و الذي يعني ايضا إبقاء غزة ( كالمعلقة ) دونما اتفاق او حرب ، وقد ساعده على ذلك الظروف الاقليمية و الفلسطينية الداخلية .


لا يعني ما سبق ان نتنياهو لا يفضل بل يتمنى سقوط سلطة حماس و المقاومة في غزة ، و استبدالها بسلطة " معتدلة " تقوم بنقل تجربة ( التنسيق الامني المقدس ) "الرائدة " دونما أي افق سياسي معلوم ، وقد يعطي من اجل ذلك الفرصة تلو الاخرى لمن يريد و يصر ان يجرب حظه العاثر في هذا المجال كالسماح بل و التعاون في حياكة المؤامرات و الانقلابات على شكل عمليات تخريبية حينا و احتجاجات اجتماعية حينا آخر ، أما نتنياهو و أجهزته الامنية فيعلمان "علم اليقين " ان احتمالية نجاح ذلك هي ضئيلة جدا ، وفي كل الاحوال فلن يقوم هو او دولته و جيشه بدفع ثمن ذلك الباهظ لسواد عيون هذا " العنصر المعتدل " أو تلك السلطة المتعاونة . 


من المتوقع ان يوافق نتنياهو خلال الايام القادمة على تفاهمات جديدة ، أو تطبيق جزئي لبعض التفاهمات السابقة " كجزرة " تضمن له تهدئة نسبية لتمرير انتخابات الكنيست في اسرائيل ، ثم ليعود بعدها لسياسة المماطلة أو الحلقة المفرغة أو سياسة التعليق .
و في مقابل هذا فمن الواضح ان المقاومة الفلسطينية في القطاع تعي هذه المعادلة الحرجة بشكل جيد ، لكنها مضطرة للتعامل معها على قاعدة التمسك بخيار المقاومة و الحفاظ على مصالح و حقوق و ثوابت الشعب الفلسطيني ، و ذلك في ظل ضعف او حتى انعدام خيارات أخرى في هذه المرحلة على الاقل ، ومن المرجح ايضا ان تنجح المقاومة في صمودها و ثباتها رغم هذه المعادلة الصعبة بسبب الدعم و التأييد الشعبي الواسع لها في غزة و سائر اماكن تواجد الشعب الفلسطيني ، كما ظهر جليا في التحركات الشعبية المساندة لها ، كرد على احتجاجات " بدنا نعيش " في غزة و ذلك لحظة ظهور نوايا سياسية انقسامية من هذا الحراك. 


كيف يمكن لمعادلة نتنياهو ان تنكسر او تتغير ؟ قد يحدث ذلك في حالات ثلاث : 
الاولى – امتلاك المقاومة لقدرات عسكرية جديدة تكسر بعض توازنات القوى ، و تجبر الاحتلال على التعاطي بصورة اكثر جدية على الاقل مع بعض مطالب الشعب الفلسطيني في غزة .
أما الحالة الثانية – فهي تحقيق مصالحة وطنية حقيقية توحد جهود الشعب الفلسطيني و تعزز من  قدراته على اسقاط بعض جدران الحصار و الاحتلال ، و يبدو هذا الامر بعيد المنال ، و على الاقل في عهد الرئيس ابو مازن ذو المواقف المتشددة و صاحب رؤية المصالحة على اساس الخضوع و التمكن من الاخر ، لا على اساس الشراكة الوطنية الحقيقية . 


أما الحالة الثالثة – فهي حدوث تغير في الاقليم يسمح بزيادة الضغط على اسرائيل للتنازل لصالح القضية الفلسطينية بشكل عام و مسألة غزة بشكل خاص ، و على الاقل يسمح بوقف التعاون و الهرولة نحو التطبيع معها . 
و حتى حصول احد هذه الحالات ستبقى غزة تواجه بصبر و اقتدار و بمعاناة و اصطبار حالة الوضع القائم الصعبة .