جعلوني بطريقًا!

جعلوني بطريقا!
جعلوني بطريقا!

الرسالة نت - وكالات

محمود روبي

كان غريبًا ألّا أفكّر في اقتناص قسطٍ وفيرٍ من الراحة، بعد أن قضيتُ نهارًا شاقًّا بين الجامعة والسفارة. لم أنم جيّدًا تلك الليلة؛ لم أصدّق أنني سأتنفّس قريبًا في مدينة النور. قضيتُ ليلتي مشغولًا بحقيبتي الضيّقة. عانيتُ لأتمكّن من إغلاقها: كنتُ أدفن فيها ما أستطيع، ثم أغرس قبضتيّ في جوفها كي تبتلعَ أغراضي الكثيرة.

غلبني التعب، فاستلقيتُ على السرير. أمسكتُ جوازَ السفر. رحتُ أتأمّل لونَه الأخضر، وأتحدّث إلى النسر القابع فوق غلافه السميك، وأقول له مبتسمًا: "آن لك يا عزيزي أن تطير!"

أخذتُ أتجوّل بين صفحات جواز السفر، أنظرُ إلى صورتي، وأقرأُ بياناتي الشخصيّة مرةً تلو أخرى، كأنّني أتعرّف إلى نفسي. وصلتُ إلى صفحة تأشيرة المرور، فأسرعتْ دقّاتُ قلبي المشتاق إلى الرحيل. الغريب أنّني لم أستطع إغلاقَ الجواز، فأبقيتُه مفتوحًا ـ ــ كمن يعانق حبيبَه.

كانت باريس في أبهى زينتها: عروسًا في قمّة أناقتها، تنتظر عريسَها، المفتونَ بها، القادمَ من الشرق! كانت شوارعُها مغسولةً بالماء العذب، وهواؤها معطّرًا بأرقى العطور. وكنتُ لا أدري إنْ كان ذلك ترحيبًا خاصًّا بي، أمْ أنّ تلك هي حالُ باريس دائمًا.

مررتُ بأحد الميادين، ورحتُ أشاهد المحلّاتِ الفاخرة، بواجهاتها القادرة على إشباع الأعين الجائعة. رأيتُ عاملَ نظافة، يلتفّ حوله المارّة، يلتقطون معه بعضَ الصور، ثم يغادرونه إلى شرطيٍّ في الجهة المقابلة، لأخذ مزيدٍ من الصور.

وضعتُ سبَابتيَّ في جفنيّ، أفركُهما تكذيبًا لما كنتُ أرى. فجأةً سمعتُ أمّي تناديني من الطابق الأرضيّ. نهضتُ على الفور. ارتديتُ بذلتي الوحيدة التي أهداني إيّاها أبي بعد أن أتممتُ دراستي الجامعيّة، وخرجت.

كان أبواي في انتظاري، وكانت عيونُهم حمرًا كأنّهما لم يناما منذ البارحة. اقتربتْ أمّي منّي وأهدتني ميداليّةً فضّيّةً نُقشتْ عليها صورةُ العذراء والمسيح. احتضنتْني برفق وبكت: "ربّنا يحفظك من كلّ سوء." سلّمني أبي مصحفًا صغيرًا. عانقني بشدّة وربّت على كتفي وهو يقول: "الدكتوراه... الدكتوراه!" يبدو أنّه نسي ــــ ربما من فيض المشاعر ــــ أنني لم أكن قد حصلتُ على درجة الماجستير بعد.

كان الموقف حادًّا. حاولتُ أن أمازحَهما تسكينًا لألم الفراق، فتذكّرتُ دورًا تمثيليًّا برعتُ في تأديته على خشبة مسرح المدرسة حين كنتُ في الصفوف الأوّليَة. كان هناك بطريقٌ يحلم بالطيران، لكنّه كان يسقط عند كلّ محاولة، فيضحك أقرانُه البطاريق الذين كانوا يلومونه لإصراره على تكرار محاولاته الفاشلة. لكنهم، في المرة الأخيرة، لم يضحكوا.

***

جاءت لحظةُ تفتيش الحقائب. أخذتني صرامةُ الضابط، الذي تغيّر لونُه بعدما وقعتْ عيناه على أحد الكتب في حقيبتي. كان الكتاب مترجمًا عن الفرنسيّة ويتحدّث عن التطرّف وحقوق الإنسان. أمسكه بعنف، متجاهلًا بقيّة الأغراض. رفع حاجبيه حتى جحظتْ عيناه، وصاح في وجهي: "من تتبع؟!"

ابتسمتُ بقلق وأردفت: "لا أتبعُ أحدًا!" وتساءلتُ مرتجفًا: "هل ثمّة مشكلة؟"

لم يتفوّه الضابطُ بكلمة، بل أمسك بياقة قميصي، وجذبني بعنف. ثم اقتادني إلى حُجرةٍ شبه مُظلمة. ظلّ يتوعّدني بنظراته، وبدا وكأنّه يتذوّق بنهمٍ لذّةَ انتصاره عليّ.

حضر ضابطٌ برتبة أعلى، فانصرف الأولُ إلى عمله. أمسك الضابطُ الجديدُ بجواز سفري. تأمّله بازدراء، وبدت عليه علاماتُ الاستغراب. سألني بهدوء: "لماذا تقرأ هذا الكتاب؟" أطلقتُ زفيرًا قبل أن أجيبه: "هذا أحد مصادر رسالة الماجستير يا فندم."

أخذ يفرّغ حقيبتي، فوجد بعضَ الكتب والأوراق البحثيّة الأخرى، فصادرها، ثمّ سمح لي بالانصراف.

خرجتُ مسرعًا لألتحق بالطائرة.

***

جلستُ مكتئبًا في الطائرة. كان الراكب إلى جانبي يختلس نظراتٍ غاضبة إليّ، حتى أخرجتُ المصحف، وشرعتُ في القراءة. ظلّ الأمرُ مستقرًّا حتى سمعتُ الإذاعة الداخليّة تدعوني إلى مغادرة الطائرة فورًا ليتمكّنوا من الإقلاع!

نهضتُ مرتجفًا. حاولتُ معرفة السبب من إحدى المضيفات، لكنّها لم تُجب. نزلتُ ببطء. وقبل أن أتخطّى درجات السلّم، اعترضني الضابط الصارمُ نفسُه، فقيّد يديّ، من دون أن يتفوّه بكلمة. أمّا الضابط المسؤول عنه فرمقني وقال: "أنت مطلوب بتهمة تجهيز انقلاب."