هذا هو الحدّ الأخير للحلم

الكاتب خالد جمعه.jpg
الكاتب خالد جمعه.jpg

صفحة الكاتب

 

هذا هو الحدّ الأخير للحلم، أنت تقف على رأس تلّةٍ في أطراف رام الله، وترى البحر من بعيد وهو يهدرُ ويهدي موجه للأعداء القدامى، ورائحة اليود لا تصلك، لكنك تتخيلها بكل ما أوتيت من إغماضة عين وقدرة على استحضار الروائح من الهواء، أولاد في العاشرة يتدربون على مقاليع صنعوها بأيديهم، لم تكن تعلم قبل اليوم أن المقلاع بحاجة إلى تدريب كهذا، حجارتهم الصغيرة لا تصل البحر، ولا يتوقعون منها أن تكسر جنزير دبابةٍ في الجوار، هم فقط خلقوا هكذا، يعرفون أن هناك خطأ في مسار الطبيعة ويريدون تعديله، هذا هو الحد الأخير للحلم.

هذا هو الحد الأخير للحلم، أن يتسع البحر أمامك، وتعود غابات البرتقال إلى رمالها، وأن تتبع خيط الشمس المنساب على الشاطئ، وتعيد إلى البحر سمكةً صغيرةً تلهث بعد أن خدعتها غريزتها، تطارد سرطانات الشاطئ كأنها أولاد الحارة الأشقياء، أن يسمع السابحون صوت المؤذن دون أن يعتريهم رعب العادة، وأن تسير في آخر الليل بلا قمر، ومع ذلك تطمئنُّ إلى أن ذلك الخيال ما هو إلا رجل ذاهب لصلاة الفجر، هذا هو الحد الأخير للحلم.

هذا هو الحد الأخير للحلم، فيما تقبع خلف شجرة تين عتيقة في عين كينيا، تنظر إلى سلحفاة تجاهد كي تقطع الشارع قبل أن تدوسها سيارة طائشة، وهناك في هذه الخضرة الكثيفة على سفح الجبل، غزالة وابنتها، مرة واحدة تراها ثم تعود لتبحث عنها كل موسم ولا تجدها، أين اختفت الغزالة وابنتها؟ ربما اصطادها رجل كان يعرف أنه يخترق القانون، لا أعرف إذا كان هناك قانون يمنع صيد الغزلان، ولكنه الحد الأخير للحلم، أن ترى الغزالات وبناتهن يمشين ببطء دون أن يخفن من بندقية أو مقلاع صيد.

هذا هو الحد الأخير للحلم، أن يقف الشعراء، في وجه الريح، وأن لا يبيع كاتبٌ القهوة على الأرصفة كي يعطي مصروفاً لبناته، وأن تصبح غرزة الثوب هوس البنات، تماما كهوسهن بأجهزتهن الخلوية، وأن يمرّ القادة دون حراس ومواكب في الأسواق العامة، ويسألون المارة عن أحلامهم وأسباب غضبهم، وأن يهبط القادة إلى حيث يجلس الجنود حول فنجان شاي في ليلة باردة في معسكراتهم، هذا هو الحد الأخير للحلم.

هذا هو الحد الأخير للحلم، أن تولي وجهك صوب القدس، وفي لحظة واحدة تقرر أنك تريد التأكد من لون الخطوط في قبة الصخرة، فتذهب دون أن يقف في طريقك ولد في الثامنة عشرة برشاش حديث ولهجة أكثر حداثة، وأن تقترب الخليل أكثر من بيت لحم، وأن لا تصرخ امرأة قروية رافضة زواج ابنتها في قرية تبعد حقلين عن قريتها، لأنها لا تحب غربة ابنتها عنها، هذا هو الحد الأخير للحلم.

هذا هو الحد الأخير للحلم، أن تعود فلسطين إلى وجهها الذي راح يسافر في الأودية القديمة وفي الساحات الدولية دون أن يعثر على جفنيه ورموشه، أن تعود حكايا الجدات إلى الجدات قبل أن يسمعها الأطفال، وأن تبقى شجرة الزيتون في مكانها لا يعبث بزيتها أحد، وأن يخلد عمال الحقول إلى النوم تاركين أحصنتهم ومعاولهم في العراء دون خوفٍ من أن يسرقها أحد، هذا هو الحد الأخير للحلم.

هذا هو الحد الأخير للحلم، أن نموت كما يموت الآخرون، بطيبة ووداعة على فراشنا، من مرض ربما، من ملل الحياة ربما، وتنوح علينا الجارات والحبيبات كما يليق بنا، ويذكروننا بعد حفنة أعوام ثم يمضون في الحياة كما تمضي شجرة تفاح إلى موسمها، هذا هو الحد الأخير للحلم.

هذا هو الحد الأخير للحلم، أن يكون لديك القدرة والمساحة لتقول نعم أو لتقول لا، أن تستطيع الصراخ في الشارع: الملك عارٍ... ولا يحذفك من قائمة الحياة أحد، أن يفهم العابرون أن العابرين ليس من شيمتهم الثواء إلى الأبد، وأنك حين تقول هذا فليسوا أعداءك المقصودين دائماً، فهناك دائماً أعداء جدد، لا يتوقفون عن القدوم من شقوق الجدران وفتحات الإذاعات وطاولات المطاعم الفخمة والغالية، هذا هو الحد الأخير للحلم.

هذا هو الحد الأخير للحلم، أن تصحو ذات يوم، فتقرر أن لا تذهب إلى العمل لأن ميعاد تفتح الزهرة البرية سيحين بعد قليل، وهو يحدث مرة واحدة، وعليك أن تشاهده بتفاصيله كلها...

هذا هو الحد الأخير للحلم.