كيف حوّلت (إسرائيل) قنابل الغاز لمقذوفات قاتلة؟

مصاب بقنبلة غاز
مصاب بقنبلة غاز

الرسالة- محمود فودة 


لا يفارق والدة الشهيد بسام صافي مشهد إصابة نجلها بقنبلة غاز في رأسه، أثناء مشاركته في مسيرة العودة وكسر الحصار شرق مدينة خانيونس، حين جالت صورة إصابته كافة وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، نظرا إلى بشاعتها نتيجة اختراق القنبلة لوجهه وبقائها فيه.

وخلال فعاليات مسيرة العودة استشهد 14 متظاهرا وأصيب العشرات نتيجة تعرضهم للإصابة بقنابل الغاز، التي ثبت خلال التحقيق الذي أجرته "الرسالة" تعمد الاحتلال استهداف المتظاهرين بها، بهدف إيقاع أكبر عدد من الخسائر البشرية، وإظهار الأمر بأنه غير متعمد من خلال استخدام قنابل الغاز بدلا من الرصاص الحي.

طبيعة الإصابات والقنابل

وللاطلاع على طبيعة الإصابات، التقى معد التحقيق بمدير المستشفى الجزائري العسكري شرق مدينة خانيونس عقيد وائل شقفة الذي قال إن إصابات قنابل الغاز غالبا ما تكون خطيرة، نتيجة تعرض المصاب للقنبلة ذات الوزن الثقيل مقارنة بالرصاص، وبسرعة عالية، وفي أجزاء حساسة كالرأس والصدر.

وأضاف شقفة في حديثه لـ"الرسالة" أن الإصابات نتيجة قنابل الغاز تنزف دماء بشكل اكبر مما تنزفه الإصابات بالرصاص الحي نتيجة مساحة الجرح الناجم عن الإصابة بالقنبلة، خصوصا أنه يجري انتزاع القنبلة من جسد المصاب من قبل المتظاهرين، لإبعاد الغاز المنبعث منها عن المصاب.

 

طبيب: الحالات المصابة بالقنابل تصاب بنزيف حاد يصعب السيطرة عليه

 

 

وأشار إلى أن الاحتلال الإسرائيلي كثف من استخدام أسلوب استخدام قنابل الغاز كمقذوف منذ  بداية العام الحالي، كجزء من تغيير قواعد إطلاق النار، وتسجيل نقطة لنفسه بأنه يفرق المتظاهرين بقنابل الغاز بدلا من الرصاص الحي الذي اعتاد استخدامه منذ اليوم الأول لمسيرات العودة في 30 مارس 2018.

وبيّن أن الطواقم الطبية تبذل قصارى جهدها في المرحلة الأولى من إيقاف النزيف الناجم عن الإصابة بالقنبلة، وإزالة أي أجزاء أو أوساخ علقت بمكان الإصابة نتيجة القنبلة، على أن يجري نقلها إلى مجمع ناصر الطبي أو مستشفى غزة الأوروبي لإجراء العمليات العاجلة لإبقائه على قيد الحياة كمرحلة الثانية.

وأوضح ان المرحلة الثالثة تتمثل في التعافي من الإصابة والمضاعفات التي قد تنتج عنها، فيما يضطر لدخول المرحلة الرابعة المتعلقة بعمليات التجميل للتشوهات الناجمة عن جرح القنبلة الذي يكون بحجم أضعاف مضاعفة عن جرح الرصاص الحي.

توثيق الانتهاك

وفي التعقيب على ذلك، قال رئيس مجلس إدارة الهيئة المستقلة لتوثيق جرائم الاحتلال المستشار عماد الباز إن استخدام الاحتلال لقنابل الغاز بدأ منذ الانتفاضة الأولى عام 1987 لكن كانت أضرار الإصابة بها بسيطة، وتنتهي في غضون دقائق، بعكس ما وصل إليه استخدام قنابل الغاز خلال مسيرة العودة.

وأضاف الباز الذي توثق هيئته كل انتهاكات الاحتلال بحق مسيرات العودة، أن قنابل الغاز باتت بألوان مختلفة وتؤدي لإصابات مخيفة تتمثل بحالات ارتعاش وفقدان وعي وهيستريا الأوضاع، فيما تستمر هذه الحالات لساعات تستدعي النقل للمستشفى، وهذا ما لم يكن متعارف عليه خلال الانتفاضات الفلسطينية.

 

توثيق الجرائم: الاحتلال يستخدم أنواع مجهولة من قنابل الغاز

 

 

وبيّن أن الاحتلال بات يتعمد استخدام قنابل الغاز كمقذوف يؤدي لاستشهاد وإصابة من يتعرض لها خلال المشاركة في المسيرة، وهذا ما جرى توثيقه من قبل الهيئة المستقلة، مشيرا إلى أنه جرى مناشدة المجتمع الدولي لتشكيل لجنة دولية مختصة في ملف الغاز بالتحديد، فيما كان الرد سلبيا.

وأشار إلى أن الاحتلال يطلق القنابل اتجاه المتظاهرين بشكل مباشر، إما عن طريق القناصة أو الجيبات العسكرية التي تقف قبالة المتظاهرين، وتطلق القنابل بشكل مكثف اتجاه تجمعات المتظاهرين، فيما لا تسلم الفرق الطبية والصحفية من ذات الاستهداف.

وكشف الباز لـ"الرسالة" أن قنابل الغاز أدت لاستشهاد ستة متظاهرين، بينهم أربعة نتيجة إصابتهم بالقنبلة في الجسد، واثنين آخرين نتيجة لاستنشاق الغاز، فيما بلغ عدد الإصابات نتيجة الاستنشاق أكثر من 8000 إصابة، فيما الإصابات نتيجة الإصابة بالقنبلة في الجسد أكثر من 50 إصابة.

ووفقا للهيئة فإن الشهداء نتيجة تعرضهم للإصابة بقنابل الغاز هم بسام صافي من خانيونس وأصيب في 22 فبراير الماضي، واستشهد متأثرا بجراحه في 11 مارس، والشهيد سمير غازي النباهين 46 عاما من سكان مخيم النصيرات بعد اصابته بقنبلة غاز في الوجه شرق المحافظة الوسطى في 26 يناير الماضي، بالإضافة إلى الشهيد أحمد زياد العاصي في يونيو 2018 شرق مدينة خانيونس، والشهيد أحمد سمير أبو حبل في 3 أكتوبر 2018 قرب حاجز بيت حانون "إيرز" شمال غزة.

ويتضح مما سبق، أن غالبية الإصابات بقنابل الغاز كانت بشكل مباشر خلال الأشهر الأربعة الماضية، خاصة وأن شهيدين من أصل أربعة ارتقوا في نفس المدة، بالإضافة إلى أن الشهداء يمكثون في المستشفى عدة أيام إلى أن يستشهدوا متأثرين بجراحهم، ما قد يشير إلى وجود مضاعفات مجهولة حتى الآن تصيب المتظاهر جراء تعرضه لقنبلة الغاز ما يؤدي لاستشهاده بعد أيام.

رفع القضايا

وعن موقف الهيئة العليا لمسيرة العودة ومتابعتها للقضية، تحدث معد التحقيق إلى رئيس اللجنة القانونية فيها، صلاح عبد العاطي الذي أكد لـ"الرسالة" أن استخدام قوات الاحتلال الاسرائيلي لقنابل الغاز يمثل محاولة للتحلل من القانون باعتبار أن قنابل الغاز أقل ضررا من الرصاص الحي.

وقال عبد العاطي إن الشواهد والدلائل تثبت استخدام القنابل كمقذوفات لإصابة أجساد المتظاهرين مثل الرصاص الحي، بل وأكثر ضرر في حال اصابته في الرأس والوجه، وهذا أدى لاستشهاد وإصابة عدد من المتظاهرين السلميين بعد أن اخترقت القنابل المعدنية أجسادهم.

 

اللجنة القانونية للمسيرة: استخدام قنابل الغاز محاولة للتهرب من رقابة القانون الدولي

 

 

وأوضح أن اللجنة تكرر رفضها لهذه الممارسات باعتبارها خرق فاضح لقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، إذ أن قوات جيش الاحتلال (الإسرائيلي) تتعمد استخدام هذه القنابل، ولا تستثني أحد من الإصابة بها حتى الأطفال والنساء والصحفيين والطواقم الطبية وسيارات الإسعاف.

وأشار إلى أنه جرى تقديم مذكرات احاطة وشكاوى تضمين إلى لجنة تقصى الحقائق التي اشارت في تقريرها إلى أن هناك حالة من الافراط في استخدام القوة بما يرتقي إلى جريمة حرب خلال قمع المتظاهرين السلميين على حدود غزة.

وبيّن أنه جرى تبليغ المفوض السامي لحقوق الإنسان وكل الأجسام الدولية المعنية بحقوق الإنسان بمجريات الأحداث على حدود غزة، بما يضمن فضح الانتهاكات (الإسرائيلية)، من خلال جملة من التقارير التي يجري متابعتها مع الأطراف سابقة الذكر.

وعن موقف السلطة الفلسطينية بصفتها المعتمدة أمام المؤسسات الدولية، شدد عبد العاطي على ضرورة تحرك السلطة في اتجاه رفع الملفات المطلوبة إلى مكتب المدعي العام بما يضمن فتح تحقيق عاجل، بدلا من حالة المماطلة القائمة في إجراء الفحص الأولي للملفات التي وصلت بواسطة اللجنة القانونية للمسيرة.

الصحة تناشد

المتحدث باسم وزارة الصحة الفلسطينية بغزة أشرف القدرة قال لـ"الرسالة" إن الطواقم الطبية العاملة في الميدان لاحظت في الأشهر القليلة الماضية تزايدا في استهداف المتظاهرين بقنابل الغاز من قبل قوات الاحتلال من خلال إطلاقها وسط تجمعات المتظاهرين وليس في محيطهم كما كان الحال سابقا.

وأضاف القدرة أن الإصابات بقنابل الغاز غالبا ما تكون في الأجزاء العلوية من الجسد، ما يشير إلى تعمد (إسرائيلي) لإيقاع إصابات حرجة في صفوف المتظاهرين بدون استخدام الرصاص الحي.

وأشار إلى أن بعض الإصابات بقنابل الغاز أدت إلى فقدان أعين أو ضرر دائم في الوجه، وتشوهات يصعب التخلص منها مدى الحياة، نتيجة عمقها وكبر حجمها.

 

الصحة: 14 شهيدا وعشرات الاصابات نتيجة الإصابة بقنابل الغاز

 

 

بدورها وثقت الصحة عدد أعلى من الشهداء نتيجة القنابل، حيث أكد القدرة "للرسالة" أن عدد الشهداء نتيجة الإصابة بقنابل الغاز بلغ 14 شهيدا، عدا عن عشرات المصابين، غالبيتهم ما زالوا يعانون من مضاعفات الإصابة كالارتعاش او الحكة في الجسد، أو الاحمرار، عدا عن التشوهات.

وشدد على أن لجنة تقصي الحقائق أثبتت استخدام الاحتلال (الإسرائيلي) للقوة المفرطة في قمع المتظاهرين السلميين؛ ما يتطلب موقفا دوليا لإيقاف جرائم الاحتلال بحق المتظاهرين، والاهتمام بهذا الملف بعيدا عن الجوانب السياسية فيه.

وبيّن أن الاحتلال يلجأ لاستخدام قنابل الغاز بدلا من الرصاص الحي لإيهام العالم بأنه محافظ على قواعد إطلاق النار، في قمع المتظاهرين على الحدود، وفي حقيقة الأمر فإن القنابل ذات مفعول أكبر وأعمق على المصابين.

وأوضح أن الاحتلال بات يستخدم مؤخرا قنابل ذات رأس مذبذب، من شأنها اختراق الجسد والخروج من الجانب الآخر، فيما يشبه الصاروخ الصغير من حيث الشكل والسرعة والقدرة على الاختراق.

الشق القانوني

وعن موقف القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، قال الخبير القانوني إحسان عادل إن استخدام قنابل الغاز المسيل للدموع في الأساس لا تستخدم إلا في نطاق محدود لتفريق المظاهرات في حال وقوع عنف، إلا أن قوات الاحتلال (الإسرائيلي) تستخدم هذه القنابل بكثرة وبدون داعي.

وأضاف عادل في اتصال هاتفي مع "الرسالة" من لندن أن الاحتلال (الإسرائيلي) بات لا يستخدم القنابل التي يسمح القانون باستخدامها في ظروف محددة، بل تجاوز ذلك في تغيير أنواع هذه القنابل، والغاز الموجود بداخلها؛ الأمر الذي يعد التجاوز الثاني في استخدام هذه القنابل.

 

خبير قانوني: 4 تجاوزات إسرائيلية للقانون في استخدامها قنابل الغاز

 

 

وعن التجاوز الثالث أوضح عادل أن استخدام القنابل كمقذوفات لإصابة المتظاهرين أو استشهادهم، يمثل تجاوزا للقانون، ومحاولة (إسرائيلية) للتحايل عليه، عن طريق استخدام مسمى قنابل الغاز المسيل للدموع في ارتكاب انتهاكات بحق المتظاهرين السلميين.

وأشار إلى أن التجاوز الرابع يتمثل في أن (إسرائيل) لا تفرق بين مناطق تجمع المتظاهرين وبين النقاط الطبية والصحفية التي جرى استهدافها بشكل مباشر بقنابل الغاز، ما أدى لوقوع إصابات بشرية ومادية نتيجة ذلك.

وبيّن أن (إسرائيل) ليست بعيدة عن المحاكمة الدولية في حال إنجاز القضايا والملفات من قبل الجهات الفلسطينية، ووضعها بين يدي المدعية العامة لمحكمة الجنايات الدولية بشكل رسمي.

أما الباحث القانوني إسلام سكر فقال إن قوات الاحتلال عِمدت إلى تغيير الغاية من استخدام هذه القنابل من وسائل غير قتالية دفاعية والتفريق، لوسيلة قتالية هجومية، فيما تعمدت إطلاق قنابل الغاز بالكيفية التي تخالف الغرض المعدة من أجله وفقا لأحكام اتفاقية لاهاي للأسلحة.

وأضاف سكر في اتصال هاتفي مع معد التحقيق من العاصمة البلجيكية بروكسل أنه بالنظر إلى طبيعة القنابل المستخدمة، وطريقة إطلاقها، والأثر الناجم عنها، لا يدع مجالا للشك، للتأكيد على أن قوات الاحتلال تنتهج سياسة مدروسة متعمدة وواسعة النطاق لاستهداف المتظاهرين بشكل مباشر، واعتبارها وسائل قتالية هجومية تستخدم بشكل مفرط ضد المتظاهرين سلميا.

وبحسب سكر فإن إطلاق هذا الغاز يخالف طريقة الاستخدام العالمية "لتفريق المتظاهرين"، فهو يطلق أمام المتظاهرين عبر راجمات مثبتة عل الجيبات وبنادق صغيرة تحمل باليد، ثم يطلق في ذات الوقت خلفهم عبر طائرة فانتوم مسيرة.

كما توصل سكر لملاحظة ثانية وهي غياب أية أرقام أو علامات أو رقم منتج عن القنبلة، وهذا برأيه يأتي في سياق محو أي أدلة تدينه، بهدف التنصل من مسئوليته عنها.

ودعا سكر إلى ضرورة الضغط لفتح تحقيق اوسع وأكثر شمولية، وتوثيق أكبر قدر ممكن من الحالات التي تعرضت للاستهداف المباشر بقنابل الغاز، وتكثيف الجهود لتقديم البلاغات لمكتب الأدلة الجنائية التابع لمكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية.

وفي نهاية التحقيق، بات من الواجب على السلطة الفلسطينية متمثلة في وزارة الخارجية بالاجتهاد على طريق تقديم قادة الاحتلال الإسرائيلي للمحاكمة الدولية على ما اقترفوه بحق مسيرة العودة على مدار أكثر من عام مما أدى لاستشهاد 272 متظاهرا، وإصابة الآلاف حتى الآن.