مدفع الإفطار.. إرث عائلة صندوقة في القدس  

غزة- رشا فرحات     

في تمام الساعة السابعة والربع يجلس رجائي صندوقة في منطقة مقبرة المجاهدين في شارع صلاح الدين بالقدس المحتلة، حيث يوجد في المقبرة القريبة من سور البلدة القديمة مدفع الإفطار العثماني القديم الذي يعود تاريخ اقتنائه إلى عام 1918 والذي تشرف على إطلاقه عائلة صندوقة منذ ذلك الوقت وتوارثته جيلا بعد جيل.

ويقول رجائي صندوقة أنه تسلم مهمة إطلاق المدفع منذ 28 عاما وقد ورثه عن والده وجده منذ أطلق في العهد التركي، ويتحدث صندوقة عن أصل فكرة مدفع الإفطار والتي تعود إلى دولة المماليك حيث أن سلطان المماليك " خاشقجي" استخدم ضرب المدفع في قاهرة المعز في شهر رمضان وفي موعد الإفطار.

من هنا انطلقت الفكرة، حيث لم يكن هناك مكبرات للصوت، ما جعل الفكرة تروق لهم لأن صوت الإعلان عن الإفطار سيصل إلى جميع أنحاء القاهرة، ثم بدأت الفكرة في الانتشار حتى وصلت فلسطين.

ولقد كان لكل مدينة فلسطينية مدفع، ولكن مع انتشار مكبرات الصوت اندثرت المدافع ولم يبق سوى مدفع القدس، رمزا أثريا لا تريد العائلة أن تتخلى عنه، حيث كانت المهام في شهر رمضان توزع على العائلات الكبرى في مدينة القدس.

وكان لجد صندوقة الأكبر مهمة إطلاق المدفع وهذا ما جعل المهمة مرتبطة بالعائلة حتى اليوم، وقد اضطر وقتها الحاج صندوقة إلى بناء بيته بجانب المقبرة التي يوجد فيها المدفع.

ويقول رجائي صندوقة:" الناس يهتمون بإطلاق المدفع حتى اليوم، ويضبطون توقيت افطارهم عليه، بل ويطلبون مني التأكد من ضبط توقيته، ويذكر موقفا حدث معه في أحد السنوات حينما ارتكب خطأ كبيرا وأطلق المدفع قبل موعد الإفطار بدقيقتين، ما أغضب جميع أهالي المدينة خصوصا السكان القريبين من المنطقة، فثاروا غاضبين في وجهه، وقتها عرف صندوقه أن دور المدفع أهم مما كان يتخيل رغم التقدم في أجهزة الصوت الموجودة الآن.

وتتعرض عائلة صندوقة بسبب تمسكها بهذا التقليد المتوارث إلى مضايقات من قبل الاحتلال الذي وضع قيودا صارمة على إطلاق المدفع، حيث أن المدفع لا ينطلق الآن إلا في موعد الإفطار، وفي السابق كان يطلق في موعد الإمساك فجرا والإفطار مساء، بعد أن يأخذ اشارته من المسجد الأقصى ليأذن له بالإطلاق في موعد الآذان.

وقد التزم صندوقة بتعليمات قوات الاحتلال خشية أن يصادروا المدفع الأثري أو يمنعوه من العمل وتخسر المدينة تقليدا متوارثا يضيف البهجة إلى أيام رمضان.

وعلى الرغم من وجوده اليومي في المقبرة بعيدا عن أطفاله وعائلته، إلا أنه يرى في عمله هذا متعة وواجبا نحو أهالي المدينة، ويتمنى أن يحذو ابنه حذوه في يوم ما ويبدأ مهام إطلاق المدفع والحفاظ على هذا التراث.