٧١ عاماً على النكبة.. غزة تقترب من العودة

ارشيفية
ارشيفية

الرسالة نت-رشا فرحات

 

يمكنك أن تكتب حدث في مثل هذا اليوم، قبل سبعين عاما، وكل عام من الواحد والسبعين كنا نكتب ما حدث، نفتح الجرح الذي لا يريد هذا العالم الأخرق له أن يندمل، بينما يزيد عدد اللاجئين منا، ألف أو عشرة آلاف حول العالم.

هنا قبل واحد وسبعين عاما شرد الاحتلال 800 ألف فلسطيني، وهدم 1300 قرية فلسطينية بالكامل، وارتكب 70 مجزرة! 

هرب الأهل، وزحف سكان المدن والقرى، حينما بدأت تصلهم أخبار ارتكاب الهاجانا لمجازر في الطنطورة ودير ياسين، هربوا وقد حملوا بعضا من متاع قليل، لعل العودة تكون قريبة، أو هكذا كان لزاما عليها أن تكون.

فلا يمكن لعقل أن يتخيل وهو يجلس على مقعده، أو في عمله، أو ممسكا كتابه، أو بينما هو يرتشف كوب الشاي الصباحي، أن تدخل عليه قوة وتطرده من بيته هكذا بلمح البصر، ثم تأخذ كل شيء، الذكريات والمفتاح، والأوراق، والأموال المخبئة تحت الوسادة، وشهادات الجامعة، ورفشالفلاح الذي يرقد تحت السرير، وطين الأرض، ورائحة البرتقال، وملابس الأبناء القليلة في صندوق الخشب، ثم تقول لك ارحل!

وبعد سبعين عاما، ينسى الجميع، وحدها غزة لا تستطيع النسيان، فتقرر أن تعود وحدها، كما اعتادت أن تحمل وزر الواجهة كل مرة وحدها، فزرعت مخيمات العودة للاجئين على الحدود، كل باسم قريته ومدينته، يجلس في خيمته ليواجه الاحتلال والمجتمع الدولي والعربي، وكل من سرق أوطاننا ثم بدأ بقتلنا سبعين مرة.

كان يوما مليئا بالتضحية والوجع، وجع مسطر لغزة وحدها، وجع وصل فيه عدد الشهداء لأكثر من سبعين شهيدا، في مثل هذا اليوم، واليوم وفي الذكرى الواحدة والسبعين يمر عام على رحيلهم، وكأنهم إذا خرجوا من أجداثهم سيقررون الرحيل لذات الهدف ولصفاء القضية ولكلمة الحق.

اليوم أيضا قال أهل غزة كلمتهم واجتمع المئات، بل الآلاف، أعداد لا تحصى من الجامحين الثائرين، المؤمنين بما يقومون به من عمل، الصابرين المحتسبين، السائرين كخيول بيضاء، في زمن غير زمانها، في زمن الخنوع والبيع والبحث عن الكرسي، يظلون هم فقط، أصوات الشعوب المنكوبة، يرددون صرخاتهم فوق كل قول، في زمن تخلت فيه السلطة، وتخلى عنهم الأعراب، ومن لم يتخل التزم الصمت خوفا من سلاح عابر للقارات يقضي على ما تبقى من كرامة لديه.

وحدها غزة التي رسمت اللوحة هذا اليوم، من بين مئات "اطارات الكوتشوك" المشتعلة كانت أقدام الشباب والصغار تسير، في لوحة أشبه بتلك التي رسمها الاحتلال قبل سبعين عاما، من بالوناتها الحارقة، واضارب أبنائها في منتصف اختباراتهم النهائية، لأنها تعرف وحدها ما معنى العودة.

وحينما بدأت إسرائيل كعادتها استهداف المعتصمين السلميين أصيب عدد من المواطنين بالرصاص الحي والاختناق بقنابل الغاز المسيلة للدموع، بينما أعلنت وزارة الصحة حتى ساعات ما قبل العصر عن إصابة ثلاثة عشر مواطنا بجراح مختلفة عشرة منهم في مخيم ملكة شرق غزة.

كل الأصوات التي تنادي بحق العودة تخرج من غزة، رغم مخيمات اللجوء الموزعة في سوريا ولبنان والأردن والضفة الغربية، إلا أنها وحدها غزة التي تقف دوما في وجه الريح، وستظل هكذا شوكة لا يمكن اقتلاعها، وحقا لا يسقط مهما دارت السنوات.