حملها لــ71 عاما.. آخر أجيال النكبة يحكي عن ذكريات الرحيل

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

غزة- رشا فرحات

يتفاعل الجمهور والكتاب والنشطاء اليوم في الذكرى 71 للنكبة على شبكات التواصل الاجتماعي بشكل ملحوظ، ربما لأن النكبة لم تعد نكبة واحدة، أو لأنهم الجيل الحقيقي الذي حصد 71 عاما من الحسرة توارثوها أبا عن جد، وحملوها على أكتافهم، مع مفتاح البيت وورق الكوشان، فبدأوا يعبرون عن ثقل الحمل والميراث والوجع والأمانة.

ومع مسيرات العودة التي ربما يراها البعض نكبة أضافت عددا أخر من الخسائر والشهداء، يراها آخرون ذكرى حقيقية ذكرت العالم بالحق الذي لا يسقط بالتقادم وإن أرادوا له ذلك، بل أوقفت العالم العربي والدولي أمام عجزهم عن حل قضية اللاجئين وفضحت ممارسات الاحتلال بحق سلميين يطالبون بعودتهم إلى ديارهم.

 ممارسات لم تكن فقط في مسيرات العودة، بل استمرت على مدار 71 عاما لم ينسها أي جيل من الأجيال لاحقا، وهذا ما كتبه شباب عاصروا أجدادهم وآباءهم على صفحاتهم معبرين عن وجع الذكرى.

أحمد النبيه يصف وجع الذكرى كما حكتها له جدته حيث قالت: " كنا نايمين على سطح البيت بنتأمل في السما وجمال القمر والنجوم إلى حوليه وبعد شوي سمعنا صراخ أهل المدينة، وسمعنا كمان أصوات ناس غريبين لهجتهم غير عن لهجتنا: "يلا خبيبي إنتا وإياه كبير وصغير اطلعوا من هوون يلا برا برا.."!! وبالقوة هجموا علينا وقتلوا شبابنا وحرقوا مزارعنا وما خلوا اشي حلو مثل ما كان".

وتضيف: وقتها يا ستي امسكت ايد أبويا الكفيف وبإيدي الثانية أخدت مفتاح وكوشان البيت، وقلي أبويا كلها كم من يوم وراح نرجع يا بنتي؛ وحفظت كلمة أبويا وطلعنا وهاجرنا من بلادنا غصبا عنا والدمع في عيونا والجيبات العسكرية من ورانا والطيارات السودة من فوقينا، وشردونا من بيوتنا إلى أطراف وادي المدينة.

مشينا على أقدامنا حافيين احنا وأهل البلد أكثر من 6 أيام لحتى وصلنا الأردن ونامت كل عيلة في مغارة!! ولما طلعت علينا شمس اليوم السابع طلعنا من الأردن وركبنا الجمال وجينا على غزة، ولحتى نعرف شو صار اتفرجنا على تلفزيون الحارة الأبيض وأسود ووقتها كانت الصدمة الكبيرة واعرفنا انو اليهود احتلوا بلادنا وهجرونا منها حتى يستوطنوا فيها، كان عمري يا ستي يومها 9 سنين وقلنا كلها كم من يوم وراح نرجع للبلاد واليوم صار عمري 80 سنة وما رجعنا يا ستي..!!

الكاتب عماد الأصفر يعرض بكل ألم لوحة فنية للرسام الفلسطيني الراحل إسماعيل شموط والذي عاصر النكبة التي أثرت على ريشته. هذه اللوحة يصور فيها والده يجر أطفاله وراءه راحلين مهجرين من مدينة اللد إلى غزة حينما توفي شقيقه الأصغر توفيق عطشا وتعبا وحملت اللوحة عنوان:" إلى أين؟!"

لوحة شموط التي عبرت عن الوجع لم تمت، وذكرى الرحيل لم تمت وإن مات إسماعيل شموط، فإن قصته ستظل موروثا لا يموت.

أما القاص محمد فخري فرصد بعضا من المشاهد التي ذكرها له والده حينما قرر الهجرة من قريتهم، حيث كانت العائلة تمتلك براميل من الخشب لتعبئة الماء فوق سطح المنزل، وإذا لم تعبأ بالماء تفسخت ولم تعد صالحة للاستخدام، فقرر والده أن يعبئها قبل أن يرحل حتى إذا ما عادوا بعد يومين أو ثلاثة يجدوها صالحة للاستخدام!

وفي مشهد آخر يصوره الكاتب لوالدته التي كانت قد وضعت عقدها الذهبي عند صائغ يهودي في نفس الحارة التي يعيشون بها، وحينما وصلتهم أخبار مجازر العصابات الصهيونية قرروا الهروب فأحضر لها الصائغ اليهودي عقدها، فطلبت منه أن يبقيه لديه طالما لم ينته من إصلاحه، وحينما تعود ستأخذه منه، فرد عليها اليهودي: " خذيه لأنك مش حترجعي!"

وفي الهجرة لم يكن العقل يستوعب أبدا فكرة اللا عودة، فمن ذلك الذي يخرج من بيته عنوة ولا يعود لواحد وسبعين عاما، ما جعل فكرة التملك خارج البلدة الأصلية فكرة مرفوضة من بعضهم كما تحكي الحاجة أم محمود عن جدها الذي هاجر من يافا إلى غزة وكان صاحب فرن في مدينته الأصلية وصاحب أموال أخذها معه حينما رحل من يافا فصرفها كلها في إيجار منازل له ولأخوته على مدار سنوات طويلة.

 وفي كل عام ينصحه المقربون بأن يشتري منزلا بدل أن يضيع ماله في الإيجار، وكان يرفض دون أن يشعر بأن الأعواد تنسل واحدة تلو الأخرى وبأن العمر يمضي بدون منزل حقيقي لأنه كان يرفض أن يتملك أي منزل غير منزله في يافا قائلا في كل مرة: سنعود إلى يافا لماذا نتملك بيوتا في غيرها؟!