صندوق عظام

رشا فرحات
رشا فرحات

الرسالة نت

رشا فرحات 

بالأمس هاتفني الارتباط الفلسطيني، أخبروني أنهم وافقوا أخيرا على إعادة جثة أخي أحمد المحتجزة لديهم، أخبرت أمي، ابتسمت وهللت، وأخبرت أبي فأدار وجهه لينفث دخان سيجارته ثم قال:" والله !"

أخي لا يعرفني، ولا أعرفه، إنما نحتفظ له بصورة قديمة غير ملونة، غائب في مقبرة لا نعرف مكانها منذ ثلاثين عامًا!

 آخر مرة رأته أمي كان ممددا في ثلاجة الموتى، تعرفت عليه وهي تعتقد أنها ستعود به إلى البيت فتكفنه وتغسله، ولكن تخميناتها لم تصب، وبقي هناك!  ورغم مراجعاتها ورغم تغير كل شيء، ظل أحمد منسيا في مكان ما.

 

وبقيت هي، محتفظة بشيء ما بداخلها وحدها، رغم ما أتلمسه من هدوء على ملامحها، فكل يوم تسقي الزهرات التي زرعها أحمد في الباحة الخلفية للبيت، حتى بعد أن قررت الزهرات أن لا تزهر!

كانت أيضا ترش الليمونة الوحيدة التي يعشقها، رشتها لعشرين عاما، قبل أن تسقط فجأة !

 

يومها سألت أمي وأنا ابن خمس سنوات، لماذا سقطت الشجرة متأخرة؟! لم أكن أعني ما سألت، وحدها أمي ربطت الشجرة برحيله، لأني لم اكترث حتى لإجابة مقنعة، أنا الذي ولدت بعد رحيله بكثير، بل حتى بعد نسيان اسمه!

 

لكن لماذا الآن يختارني القدر لأستلم ما أسموه "جثة أحمد" ؟!!!

لقد كان صوت ضابط الارتباط وهو ينهي مهمة التسليم، وكأنه يعرف أخي تمام المعرفة، وكأنه متأكد من تلك العظام التي سلمني إياها، فلم يطلب مني أحد تحليلا يثبت أنه أخي، وحدها أمي تحتفظ بأوراق لا تغير من معنى الإثبات شيئا.

 

حينما استلمت الصندوق الصغير، كانت العظام مرتبة بعناية فائقة، فقد كانت تصدر أصواتا خفيفة كلما تحرك، أصوات لا تكاد تسمع، لكنها أصوات مرعبة.

 

صعدت إلى السيارة المفتوحة الواسعة التي استأجرناها لتابوت كبير، فكان هناك متسع أكثر مما نحتاج، عظام أحمد كانت مصفطه بإتقان، فلم تأخذ حيزا لأكثر من نصف متر مربع، لعله كان مصرا على ألا يكون ثقيلا حتى اللحظة الأخيرة !

 

أمي تتحدث إلى جانبي، تبدو وكأنها لا يثيرها أي فضول لتفتح الصندوق، وأبي يدخن كعادته، وينفخ في الهواء الطلق، وأنا أحدق بأخي من خلف الأخشاب البالية، بينما تشرح أمي كيف خرج للمرة الأخيرة وأين وقف، وماذا ارتدى، وكيف لوح بيده، وكيف سمعت خبر استشهاده بعدها بساعتين، وكيف جاءت جرافات إسرائيل بعدها بخمس ساعات وهدمت البيت!

 

ثم تغيب أحمد، استنفذ كل معاني الغياب، غياب حقيقي لا تشوبه شائبة! وعاد اليوم، ليعيد المشهد من البداية.

لثلاثين عاما، صودر جسده، كأي قطعة أثار محرمة، أو أي منشور غير مشروع، أو كأي قطعة سلاح مهربة، ولم تزر أمي قبرا كأمهات الشهداء، ولم تكفي رأسها فوق رمال أو شاهد، ولم تكتب اسم أحدهم فوق بلاطة بيضاء، ولم توزع الكعك في المقبرة على روحه، ولم تحتضن جسدا احتضانا دافئا أخيرا !

 

نجلس ثلاثتنا اليوم، نصلي ونسلم، نقرأ ونرتل، نغمض العينين، ونحن نبتهل، نستسلم للرواية الإسرائيلية، فلقد قالت إنها ستسلمنا جثة أحمد، فلا داعي لدليل آخر.

 

أبي ينظر إلى المجهول، ويحث السائق بأن يسرع حتى ننته من مراسيم الدفن قبل غياب الشمس، وكل منا يلف وجهه تفاديا لعيني الآخر، وحدها أمي تجرأت، وفتحت الصندوق، ومدت يدها إلى الكيس الأسود الذي يحوي عظام أخي ، تحسستها، ثم أغلقت الصندوق وقالت: أجل إنه أحمد !!!