الأشقر يروي لـ"الرسالة" رحلة البحث عن وطن!

الأشقر يروي لـ"الرسالة" رحلة البحث عن وطن!
الأشقر يروي لـ"الرسالة" رحلة البحث عن وطن!

الرسالة نت - محمود هنية

في العام 1998، لجأ إلى الولايات المتحدة بحثا عن الأمان، في دولة كان يعتقد أنه لا يظلم فيها إنسان، لكن الفلسطيني كان استثناء في هذه المعادلة، ليجد نفسه بعد عام واحد مسلوب حق اللجوء السياسي!

القصة كاملة كما يرويها الأكاديمي الفلسطيني والمرشح الرئاسي السابق عبد الحليم الأشقر لـ"الرسالة" بعد يومين فقط من الافراج عنه من السجون الأمريكية، عقب محاولة إبعاد فاشلة له ل(تل أبيب).

بدأ الأكاديمي الفلسطيني المعروف رحلة الغربة والمواجهة، في السادس عشر من شهر يونيو عام 2003، حين اتفق مع الهيئة الفدرالية للهجرة بالخروج الطوعي من واشنطن والبحث عن مكان آخر للجوء.

"عقب محاولات حثيثة نجحت في استصدار فيزا وجواز وعقد عمل في دولة بالخارج، وقعنا في المحكمة على الاتفاق وغادرت إلى بيتي"، تبعا لروايته.

أمام البيت كان ينتظره عدد من عناصر الاستخبارات الفدرالية الأمريكية، قرروا اعتقاله لشهادة سيدلي بها أمام مجلس المحلفين المركزي، لتبدأ هنا مرحلة اعتقال تجاوزت في عمرها العقد وثماني سنوات تقريبا، أمضى جلها في العزل الانفرادي.

بعيد اعتقاله بساعات، بدأت عملية المساومة معه الشهادة ضد اشخاص ونشطاء في العمل الخيري بواشنطن، أو أن يقبع السجن لسنوات، فاختار الأخيرة "فهي أحب الى قلبه من مساومة تنتهي بها في مطاف العمالة والخيانة"، والقول له.

حسم الأشقر أمره برفض الشهادة، فاتهمه القضاء الأمريكي بالعصيان والتآمر مع حماس، إذ حوكم على الأولى وسقطت عنه الثانية لاحقا، فكان الحكم الصادر بحقه 11 عامًا وثلاثة أشهر، عكسا للقانون الذي ينص على اعتقاله ما بين 20 -40 شهرًا فقط!

لم ينته الانتقام الأمريكي من الأشقر عند هذا الحد، بل تخطاه ليودعه إلى جانب المعتقلين الجنائيين الخطيرين جدا، كما يصنفون أمريكيا، فترة حكم قاسية وانتهت بين مرحلتين أمضى نصفها في العزل الانفرادي، فيما أمضى النصف الثاني مع هؤلاء المعتقلين.

وبعيد الافراج عنه عام 2015 بقي رهن الاعتقال البيتي مصحوبا بجهاز تتبع بيتي لم يفارق قدمه منذ ذلك الوقت، فيما كان يبحث عن وطن يلجأ إليه.

"أتيت لواشنطن كي تحميني، فوجدت نفسي أمام عدوان من صنوف مختلفة"، جملة تعبر عن 11 عاما لم يسمح فيها للأشقر بزيارة عائلته أو الخروج من منزله أو حتى أن يخرج مع عائلته الصغيرة لقضاء الأعياد والمواسم الدينية.

منذ 4 أعوام، وكل محاولات البحث عن وطن آمن وبديل باءت بالفشل، وصل الأمر حد وضع رسائل مباشرة من زوجته للرئيس التركي رجب طيب ارودغان، وصلت الرسالة ولم تصل الإجابة عنه!

بعد فشل كل المساعي للبحث عن دولة لجوء، لجأ الأمريكان لحيلة جديدة، تقضي بإبعاده إلى (تل أبيب)، محاولة فشلت في مهدها بفضل يقظة جيش سانده طيلة مراحل اعتقاله وابعاده، جيش لم تبرح عينه يوما عن حماية ثغر وطن لجأ اليه رغم اغترابه، هذا الجيش تمثل في "أم حسن" زوجة الأشقر وصاحبته في الحلوة والمرة وما أكثر مراحل الألم!، تبعا لقوله.

ليلة عيد الفطر وصلت رسالة للأشقر تقضي بطلب استدعائه من دائرة الهجرة في محاولة لاستباق الموعد المحدد في شهر يوليو المقبل، أثار الطلب حفيظة الرجل الذي خرج لتوه من عملية جراحية بقدمه.

تقدم محامي الأشقر بطلب تأجيل للزيارة، طمعا في أي يقضي الرجل أول عيد له مع عائلته التي حرم من الخروج معها طيلة هذه السنوات، فوقع في كمين الأمريكي الذي طمأنه بأنها مسألة إجراءات ووقت قصير وسيعود لبيته.

ذهب الأشقر مع زوجته إلى دائرة الهجرة، وبعد وقت قليل ابقيت أم حسن في الخارج مع نجلها ووالدتها، وتم اقتياده ووضع الكلبشات في يديه، بعدما وعدوه أنها مسألة وقت، "ذهبت الى مطار خاص وفي الطريق أخبروني سيتم ابعادك".

خلال ساعة فقط "بدأت عملية القرصنة" كما يصفها الأشقر، فانطلقت الطائرة، وتزامنا مع ذلك اخبروا جيشه "أم حسن" أنّ زوجها في طريقه ل(تل أبيب) إذ سيجري ابعاده، خبر وقع كالصاعقة على قلبها، لتبدأ في مواجهة سلمية لاستعادة كرامتها، وبدأت إجراءات المحامي مع محكمة الاستئناف الفدرالية الامريكية.

انتهى الامر سريعا وفي غضون ساعات عقدت جلسة، قرر بموجبها القاضي وقف إجراءات الترحيل، وأمر السلطات بعدم إنزاله من الطائرة في مطار بن غوريون، حتى اصدار قراره في غضون 12 ساعة.

وخلال هذه المدة بقي الأشقر محتجزا داخل الطائرة، تدور في خياله كل سيناريوهات الشر حول العالم، إلى حين جاء أحد أفراد طاقم الشرطة المصاحبة له وأخبره أنه سيعود مجددا الى واشنطن.

وبالفعل عاد الرجل لكن هذه المرة إلى سجن الهجرة، وإلى جوار المجرمين والجنائيين الخطيرين في محاولة بائسة للانتقام منه عقب نجاحه في الخلاص من محاولة تسليمه.

أفرج عنه بعد أسبوعين في محاولة أخيرة للبحث عن وطن، تلك المحاولة التي لم يتوقف عنها الرجل منذ 4 أعوام، دون جدوى!

أقل من شهرين هي المدة المتبقية إما يعود الرجل فيها إلى السجن مجددا، أو تلجأ واشنطن لإبعاده، والمحسوم أنها ستبقيه رهن مسيرة طويلة من العناء والألم!، يأمل فيها الأشقر باستمرار وقوف أبناء شعبه الذين انتفضوا لأجله كي يواصلوا عملهم وضغطهم في حث الدول المضيفة على استقباله.

وإلى حين يتحقق للرجل خروجا آمنا من تلك البلاد، سيبقى صمت بني جلدته جرحا غائرا في قلبه وعقله!