هل تشتعل الجبهة الشمالية؟

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

د. صالح النعامي 

على الرغم من أن (إسرائيل) دأبت منذ ثلاثة أعوام على شن غارات في العمق السوري بحجة العمل على إحباط قدرة إيران على التمركز عسكريا هناك؛ إلا أن سلسلة الغارات التي شنها سلاح الجو الإسرائيلي في محيط مدينتي دمشق وحمص مؤخرا تحمل دلالة خاصة.

جاءت الغارات في ظل مخاوف (إسرائيل) من أن يسهم التوتر المتعاظم بين إيران والولايات المتحدة في منطقة الخليج في تفجير الأوضاع الأمنية في الجبهتين الشمالية والجنوبية، انطلاقا من افتراض مفاده أن طهران يمكن أن توعز لمنظمات تدور في فلكها باستهداف العمق الإسرائيلي انطلاقا من سوريا، لبنان، أو قطاع غزة لخلق أزمة إقليمية أو عالمية تقنع إدارة ترامب بتعديل سلوكها تجاه طهران.

فإن كانت (إسرائيل) تتخوف من انفجار الأوضاع في الجبهة الشمالية، فلماذا أقدمت على شن الغارات، التي يفترض أن تمثل مسوغا لتبرير أي ردة فعل إيرانية سواء نفذت طهران بشكل مباشر أو غير مباشر عبر المنظمات المتحالفة معها؟

قد يكون التخوف من قيام إيران بالإيعاز للمنظمات المتحالفة معها بتفجير الجبهة الشمالية الذي أقنع القيادة الإسرائيلية بشن حملة والغارات الواسعة في محيط دمشق وحمص، على اعتبار أن (إسرائيل) معنية بالمس بالقدرات والإمكانيات التي يمكن أن تستخدمها طهران أو المنظمات التي تعمل إلى جانبها في استهداف العمق الإسرائيلي انطلاقا من سوريا، مما يقلص من فرص تحقق هذا السيناريو.

في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل الاعتبارات الداخلية الإسرائيلية، سيما بعد قرار حل البرلمان والدعوة لإجراء انتخابات تشريعية جديدة في سبتمبر القادم.

وقد حذر المعلقان بن كاسبيت وعاموس هارئيل من أن هناك الكثير من المؤشرات التي تدلل على أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو معني بالتسبب في تصعيد إحدى الجبهات بهدف خلق حالة طوارئ أمنية تساعده على إقناع الرأي العام الإسرائيلي بالتراجع عن إجراء الانتخابات.

فنتنياهو قلق من نتائج استطلاعات الرأي العام التي أجريت مؤخرا، والتي دللت على أنه لن يكون بإمكانه تشكيل حكومة يمينية قادرة على تمرير قانون يمنحه الحصانة في مواجهة المحاكمة.

حسب هذه الاستطلاعات، فإن حزب "يسرائيل بيتينو" بقيادة وزير الحرب السابق أفيغدور ليبرمان سيلعب دور لسان الميزان في الحكومة القادمة، وهو الحزب الذي يعارض ضم الأحزاب الدينية الحريدية لأنها تعارض سن قانون يلزم طلاب المدارس الدينية بالتجنيد؛ مع العلم أن الحكومة التي تشارك فيها هذه الأحزاب تحديدا يمكن أن تسمح بقانون يمنح نتنياهو الحصانة من المحاكمة.

ورغم المخاوف من أن تؤدي المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى إقناع الأخيرة بتسخين الجبهة السورية تبدو وجيهة، إلا أن التجربة دللت على أن الجبهة السورية ظلت مريحة لـ(إسرائيل)، ليس فقط لأن (تل أبيب) استغلت الحرب الأهلية الدائرة هناك وحاجة الجميع لاستقرار نظام الأسد في تنفيذ الغارات، بل أيضا لأن (تل أبيب) استفادت كثيرا من التنسيق الوثيق مع الجيش الروسي في تقليص المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها طائراتها خلال شن الغارات.

ولأول وهلة، بدا مستهجنا ما كشفته (إسرائيل) من أن جيش نظام بشار الأسد لم يقدم على تفعيل منظومة الدفاع الجوي المتطورة "S 300"، أثناء تنفيذ الغارات الليلة الماضية واستخدم بدلا منها منظومة أقل كفاءة بكثير، على الرغم من أن "s 300" باتت تحت سيطرة النظام بالكامل، لكن هذا يدلل على أن الروس يستغلون نفوذهم في سوريا وتحديدا على نظام الأسد في توفير بيئة ميدانية تسمح لـ(إسرائيل) بمواصلة غاراتها.

ومع أنه بدا أن هناك تباينا بين موقف موسكو وكل من (تل أبيب) وواشنطن أثناء اجتماع مستشاري الأمن القومي للأطراف الثلاثة في (تل أبيب) الأسبوع الماضي في كل ما يتعلق بالموقف من إيران، إلا أن السلوك العملي يدلل على أن الصمت الروسي إزاء الغارات الإسرائيلية يشي بأن موسكو ترى في الوجود الإيراني في سوريا تهديدا لمصالحها.

روسيا تنطلق من افتراض مفاده أن الوجود العسكري الإيراني سيقلص من فرص الشروع في تنفيذ مشاريع إعادة بناء سوريا، وهي المشاريع التي تراهن موسكو عليها في الحصول على عوائد مادية ضخمة؛ على اعتبار أن الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية لن توافق على الإسهام في هذه المشاريع في حال حافظت طهران على وجودها هناك.