فلسطينيو لبنان ومظالم شمّاعة التوطين

بقلم: نبيل السهلي

على الرغم من رفض لبنان رسمياً وشعبياً صفقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المسمّاة "صفقة القرن"، وخصوصاً البند المتعلق فيها بتوطين اللاجئين الفلسطينيين، تلاحق وزارة العمل اللبنانية منذ أيام وبشكل متسارع، العمّال الفلسطينيين في أماكن عملهم، وتحرير محاضر ضبط قانونيّة وماليّة بحق مشغّليهم، وكذلك تتم عمليات إغلاق محالّ تجارية فلسطينية، تحت شعار مكافحة العمالة الأجنبية غير الشرعية. واللافت أن قرار الوزارة مخالف تماماً للموقف اللبناني الرسمي، الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني، والرافض "صفقة القرن". ويخالف، في الوقت نفسه، الموقف الشعبي الفلسطيني واللبناني الرافض مؤامرة التوطين التي لا يكون التصدّي لها بالتضييق على اللاجئين الفلسطينيين، وبإغلاق أبواب الحياة أمامهم وتجويعهم، بل بتعزيز صمودهم وقدرتهم على مقاومة كل المشاريع والمؤامرات التي تستهدف حقّ عودتهم، بما فيها مشروع التوطين الذي يعتبر ركيزة صفقة ترامب.
ظلت قضية وجود الفلسطينيين الذين لجأوا إلى لبنان منذ نكبتهم، من أبرز القضايا التي تستخدم بين فترة وأخرى، تحريفاً وتنظيراً وافتراءً، لخدمة أغراض سياسية محلية ضيقة، يستخدمها كل طرفٍ في وجه الآخر. وكانت فزّاعة التوطين، وما زالت، شعاراً استعمالياً، أعطى مفاعيله السلبية المباشرة، حين دفع في نهاية المطاف آلافاً من فلسطينيي لبنان إلى الهجرة إلى خارج لبنان، بحثاً عن التعليم وعن لقمة العيش، وستراً لغوائر الزمن، إذ بات فلسطينيو لبنان يشكلون غالبية كبرى من الفلسطينيين المقيمين في الدول الاسكندنافية وألمانيا وأستراليا وكندا. وقد
كسرت نتائج الإحصاءات الميدانية التي أعلنت عام 2017 بعض التعتيم مظهرةً، بالوقائع والأرقام والسبل العلمية، حجم المغالطات التي تكبّل ملف الوجود الفلسطيني في لبنان وتشوهه، بدءاً من عدد اللاجئين الذي يضخم ويقلص تبعاً للأهواء والظروف، مروراً بمدى منافسة اليد العاملة الفلسطينية عمال لبنان في رزقهم، وصولاً إلى ظروف عيش الفلسطينيين في لبنان. فقد أظهرت النتائج أن مجموع الفلسطينيين في لبنان هو 178 ألف لاجئ، ولا يتجاوز حسب دراسات خاصة 270 ألفاً، ويعيش 62% منهم في المخيمات، فيما يعاني ثلثا اللاجئين الفلسطينيين من الفقر، ويعاني 8% منهم من الفقر المدقع. وقد خلصت دراساتٌ متخصصةٌ إلى أن السبب الأساسي لتردّي أوضاع فلسطينيي لبنان هو عزلهم بما لا يسمح لهم بالانخراط في الحياة المدنية في لبنان، بالإضافة إلى إقفال أسواق العمل في وجوههم، وحرمانهم من الضمان الصحّي وحق التملّك، كما يمنع الفلسطيني من العمل بـ 74 مهنة، في إطار قطاعات الاقتصاد اللبناني، أي إن سوق العمل شبه موصدة أمام قوة العمل الفلسطينية. ولهذا تصل نسبة البطالة بين قوة العمل الفلسطينية إلى نحو 60%، الأمر الذي يزيد الأعباء على الأسر الفلسطينية اللاجئة في لبنان، ويضعف من خياراتها التعليمية.
ويمكن تقسيم الفلسطينيين في لبنان إلى المسجلين في وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، منذ إنشائها في 1950، وهؤلاء ينعمون بحد أدنى من الاستقرار نوعاً ما. وغير المسجلين لأسباب عديدة، وينتمون إلى اللامكان. وفي ما بعد أصبح هناك تقسيم أكثر تحديداً إلى ثلاث فئات: تم إحصاء الأولى عبر الصليب الأحمر و"أونروا" في الخمسينيات. وقد تم تسجيل هذه الفئة في سجلات المديرية العامة للأمن العام ومديرية شؤون اللاجئين في لبنان، وتعتبر إقامتهم شرعية، ويحصلون على وثائق سفر تمكّنهم من المغادرة والعودة، ويحصلون على حق العمل قبل أن يلغى هذا الحق لجميع الفلسطينيين في ما بعد. الفئة الثانية هي التي لم يشملها الإحصاء المذكور، وتضمنت الفلسطينيين الذين جاءوا بعد 1952، نتيجة استمرار إسرائيل في عمليات الطرد الممنهج للفلسطينيين، وتمت تسوية أوضاع هذه الفئة في 1969، بما تضمن حصول أفرادها على وثائق مرور، ولكنهم ليسوا مسجلين في سجلات "أونروا"، ومن ثم لا يستفيدون من خدماتها. وفئة ثالثة، وتضم الذين دخلوا لبنان بعد حرب 1967 في لجوء ثان، وربما ثالث، لا يملكون أي وثائق، وليسوا مسجلين، وإقامتهم غير شرعية.
ويستمد الفلسطينيون حقهم في العمل في لبنان من عدة اتفاقيات وبروتوكولات دولية، منها
اتفاقية جنيف (1951)، وتنص المادة 24 منها على إعطاء اللاجئين المقيمين حق الاستفادة من الامتيازات التي يستفيد منها الرعايا الوطنيون، كالعمل والأجور والتقديمات العائلية ومدة العمل والساعات الإضافية والضمان الصحي والاجتماعي وغيرها، وقد وقّع لبنان على هذه الاتفاقية. وبروتوكول الدار البيضاء، حيث قرّر مؤتمر القمة العربية في 1965، "يعامل الفلسطينيون في الدول العربية التي يقيمون فيها معاملة رعايا الدول العربية في سفرهم وإقامتهم وتيسير فرص العمل لهم، مع احتفاظهم بجنسيتهم الفلسطينية"، وقد وقّع لبنان على هذا البروتوكول. وفي القانون اللبناني، نصت المادّة التاسعة من قانون الضمان الاجتماعي للأجانب الصادر ع

ن الحكومة في 1993، على أنه "يستفيد الأجراء الأجانب من التقديمات المنصوص عليها في قانون الضمان الاجتماعي، شرط أن يكونوا حائزين على إجازة عمل وفق القوانين والأنظمة المرعية، وأن تكون المساواة في المعاملة مع رعاياها في ما يتعلق بالضمان الاجتماعي". وعلى الرغم من أن حكومة لبنان تعتبر الفلسطينيين من الأجانب، إلا أنها تحرمهم من امتيازات الأجانب، مع أنهم يدفعون جميع الاستحقاقات المطلوبة.
واللافت أنه على الرغم من وجود قوانين تجيز عمل الفلسطينيين في لبنان، إلا أن الحكومات اللبنانية المتعاقبة منعتهم من ذلك، وذهبت إلى أبعد من ذلك، إذ يتعرض الفلسطينيون لمضايقات كثيرة في مجال السكن. وتتعاطى الحكومة مع هذا الملف على أرضية تجاهل تضاعف أعداد اللاجئين، بحكم النموّ الطبيعي للسكان، ومن ثم تتمسّك الدولة اللبنانية بثلاث لاءات: لا لإعادة بناء المخيمات المدمرة الثلاثة؛ تل الزعتر وجسر الباشا والنبطية، لا لبناء مخيمات جديدة، لا لتوسيع المخيمات القائمة. وهي لا تزال تمنع إدخال أي موادّ بناء إلى المخيمات في مدينة صور تحت أي ظرف، ويحتاج ترميم المنازل في بيروت إلى ترخيص مسبق يتطلب إجراءات معقدة، وإذاً تعاني المخيمات من ظروف غير إنسانية متفاقمة.
وتوضح الحقائق المشار إليها مؤشرات البؤس التي تلاحق فلسطينيي لبنان، منذ أكثر من 71 عاماً على تهجيرهم القسري، الأمر الذي يفسح في المجال بشكل متواتر أمام هواجس التوطين، التي تعتبر جوهر صفقة ترامب وركيزتها.
العربي الجديد