القضاء يؤخر تنفيذها

"التراضي بدلا من التقاضي".. ملفات جنائية تحال إلى المخاتير

صورة "تعبيرية"
صورة "تعبيرية"

غزة – مها شهوان

المئات من القضايا المكدسة أمام القضاة في قطاع غزة، ينتظر أصحابها البت فيها منذ وقت طويل رغم أن القضية بسيطة، مما يضطرهم في النهاية للجوء إلى رجال العشائر لجلب حقوقهم حتى لو لم تكن كاملة، فالمهم لديهم إنجاز القضية واسترداد بعض حقوقهم، أو تحريكها في القضاء.

عند التنبيش في ملفات القضاء، تبقى القضية مؤجلة دون الإسراع في اتخاذ الحكم رغم إنهاء التحقيقات، حتى تأتي ورقة الصلح على أيدي رجال الإصلاح، فيأخذ الجاني حكما مخففا مما دفع الكثيرين لتكرار جرائمهم، وفي المقابل هناك أشخاص ارتكبوا جنحا بسيطة سرعان ما حكم عليهم ويمكثون في السجن.

وتأكيدا لما ورد، فقد وقع بين يدي معدة التحقيق أكثر من قضية انتظرت كثيرا في المحكمة لكن بعد تدخل رجال العشائر حلت وعاد مرتكبها لأفعاله المشينة، كحال الشاب العشريني "ياسر" – اسم مستعار- حين أقدم على اغتصاب طفلة لم تتجاوز السادسة من عمرها، فهو لم يمض في السجن أكثر من عام بعدما وقعت المصالحة مع أهل المجني عليها ودفع الدية بتدخل رجال العشائر بحجة المحافظة على السلم الاجتماعي.

بعد عام من اغتصاب الطفلة، عاد الشاب للتحرش بفتاة أخرى، واعترف خلال التحقيقات بفعلته وتحجج بأنه مريض نفسي، وتدخل رجال العشائر لحل قضيته فحكم عليه بالسجن عامين فقط.

القضية المذكورة لم تكن الوحيدة التي حلت بالطريقة السابقة فهناك الكثير من القضايا تأخر البت فيها رغم تأثيرها السلبي على المجتمع، مما يدفع للتساؤل حول إمكانية وجود جهات مستفيدة من وراء عدم تنفيذ الأحكام، التي تجعل المواطن يهرب إلى العرف، بالإضافة إلى معرفة مدى تأثير ذلك على المجتمع.

******* الصلح الجزائي

ووفق إحصائية، فإن القضاء العرفي (المخاتير) في غزة يفصلون في 60 ألف قضية سنويا، وهو نصف عدد القضايا التي تفصل بها المحاكم النظامية في قطاع غزة في العام الواحد (127 ألف قضية)، حيث أصبح المواطن يتجه إلى العرف في حل النزاعات والتخلي عن القاضي.

 

الشرطة: الشجارات أفضت إلى جرائم قتل بسبب ورقة الصلح

وفي المقابل هناك قضايا لا تصل إلى المحاكم وتحل بمجرد وصولها إلى الشرطة عبر دائرة العلاقات العامة، وهي إدارة تقوم بحل القضايا ودّيا وبالتفاوض بين أطراف النزاع، أنجزت العام الماضي 5049 قضية محولة من النيابة.

يقول العقيد أيمن البطنيجي المتحدث باسم الشرطة في قطاع غزة، أن الشجارات أفضت إلى جرائم قتل بسبب ورقة الصلح التي تهاون الناس فيها، مبينا أن الحل فيها لم يكن حقيقيا واكتفت بإخراج الأطراف من السجن فقط.

وإثباتا لقول البطنيجي، فغالبا ما تكون المصالحة غير حقيقية، يحرج أحد أطرافها فيقبل بالمصالحة الصورية، كما حدث قبل عام في جريمة قتل نتيجة تخطي أبناء عائلة "القاتل" لمدينة غزة بعدما هددهم أبناء عائلة "المقتول" بعدم دخولها إثر ثأر قديم، لكنهم تخطوها ونفذوا ما هددوا به وهو القتل رغم أن المصالحة وقعت بين الطرفين بوجود رجال الإصلاح والعشائر ودفع الدية، ووضع القتلة في السجن بعدما أخذ القانون مجراه.

ورغم اصدار عائلة "المقتول" بيانا تتبرأ فيه من إقدام أحد أبنائها على قتل فرد من عائلة "القاتل"، إلا أن الواقعة تشبه العديد من الجرائم التي وقعت في قطاع غزة وتؤكد ضرب تلك العائلات بالقانون عرض الحائط وتفردهم بالأحكام وفق منظورهم وقوتهم.

ويعود البطنيجي للحديث عن قانون جديد وهو "الصلح الجزائي" المدفوع والمعتمد من النيابة، حيث يتم فيه تغريم المتشاجرين ماليا كي لا يعودوا للاحتكاك، الأمر الذي يجعلهم يفكرون ألف مرة لتكرار شجارهم لا سيما أن لكل اعتداء ثمن.

وأكد على أن الصلح الذي تتدخل فيه العلاقات العامة في الشرطة يكون بين الأقارب والجيران كي لا تفسد العلاقة بينهم، فتحل وديا وليس إلزاميا، منوها إلى أن القضايا الجنائية تذهب إلى أروقة التحقيق لدى النيابة.

وذكر البطنيجي أن العلاقات العامة في الشرطة قد تعترض على تدخل رجال العشائر حينما يعرقلون وصول القضية إلى القضاء لاسيما حين يكون هدفهم إخراج الموقوفين من السجن فقط.

***** تدخلاتهم غير قانونية

بعد عام 2007 نفذت الأمم المتحدة برنامج "سواسية" في قطاع غزة وكانت مهمته اللجوء للقضاء البديل وتفعيل دور المخاتير بعد منحهم عدة دورات، لكن سرعان ما فشل البرنامج كونه أدى إلى إضعاف سيادة القانون.

يقول المحامي عبد الله شرشرة، إن بعض مؤسسات المجتمع المدني تنفذ مشاريع تعزز وتدعم القضاء العرفي في قطاع غزة، تحت مسمى المخاتير والمُختارات، وهؤلاء المخاتير والمختارات - يقومون بمهام المحامي، لكن للأسف الكثير من الإشكاليات تتعقد نتيجة جهلهم بالقانون.

 

النيابة: الاجراء القانوني لمعاقبة الجاني غير مقبول لدى بعض المخاتير

وتابع شرشرة قوله: "في الوقت ذاته تقوم هذه المؤسسات بمشاريع لدعم المحامين الشباب أو تعزيز قطاع العدالة لكن دورها أشبه بمن يسقي المريض الترياق ويعطيه السم في آن واحد"، داعيا نقابة المحامين إلى أن تدعو المؤسسات التي تنفذ مشاريع غير مدروسة لوضع استراتيجية حتى لا يتم الإضرار بقطاع العدالة ومهمة المحاماة.

وعن تدخل رجال العشائر في إعاقة تسريع تنفيذ الأحكام للقضايا التي تصل للمحاكم يرد: "أحيانا تدخلهم يكون انتهاكا لحقوق الإنسان لا سيما حين يكون اللجوء إليهم ليس خيارا بل فرض"، لافتا إلى أن لتدخلاتهم آثارا سلبية كأن يبطئوا الإجراءات القانونية، عدا عن أن بعض تدخلاتهم غير قانونية لوجود نصوص لديهم تخالف القانون فلو لجأوا إلى المحكمة لأنصفتهم أكثر من المخاتير".

وأوضح المحامي أن اللجوء إلى القضاء عبر المحامين يجعل المجني عليه في حال لم يعجبه الحكم بطلب الاستئناف والنقض، أو عمل طلب رد للقاضي في حال ظهرت أحداث جديدة في القضية بعد الحكم.

 

حقوقي: جهل المخاتير في القانون يؤدي لتعقيد المشاكل أكثر من حلها

وفي دراسة أعدتها الحقوقية رنا المدهون، ذكرت فيها محددات الشروع في التدخل العشائري "في حال كان ضرر التدخل القانوني أكبر من نفعه، فيمكن لرجال الإصلاح التدخل لإيجاد الحل الاجتماعي"، بالإضافة إلى محدد آخر في حال رفض "الضحية " التوجه للحل القانوني مثل التحرش الجنسي وموافقة الضحية على الزواج من المتحرش لا سيما لو كان قريبها.

وبحسب دراية المدهون، يلزم أن يعرض رجل الإصلاح الحل القانوني على الطرف الضحية ومحاولة إقناعه بأنه الأصلح له وللمجتمع (في حال وجود الأدلة والاعتراف)، وذلك لتحقيق النفع العام وحماية ضحايا أخرى، بالإضافة إلى أن يلزم رجل الإصلاح برفض أي تدخل منحاز عن حق الضحية لاعتبارات عائلية أو حزبية، أو لتحقيق مصلحة ما.

وذكرت أنه لا بد من وجود تعاون مشترك بين مراكز الشرطة ومؤسسات الإصلاح المجتمعية أو المخاتير، بحيث يمكن لمركز الشرطة والنيابات تقدير ضرورة تحويل بعض المشاكل للمخاتير في حال تأكد عدم وجود أدلة وإغلاق الملف.

وعن الأسباب التي تدفع الضحايا لعدم اللجوء للقضاء بحسب متابعتها لحالات عدة، ترى المدهون أنها ترجع إلى اعتقادات عرفية، بأن اللجوء للقانون "فضيحة"، وأحياناً يكون السبب عدم إنصاف القانون لأن العقوبات الموجودة فيه لا ترقى إلى خطورة الجريمة، ولصعوبة إثبات كثير من القضايا مما يعني عدم جدوى اللجوء للقانون عدا عن حساسية بعض القضايا التي من الممكن أن يكون فيها خطر اللجوء إلى القانون أكبر من نفعه.

*** الإجراءات العرفية والقانونية

وفي ذات السياق يرى حسام دكة رئيس نيابة غزة، أن وجود المخاتير في الإصلاح مهم في بعض القضايا الجنائية ويحافظ على الأمن المجتمعي بين المواطنين، مؤكدا أن رجل الإصلاح لابد أن يتحلى بمواصفات معينة كأن يكون طيب السمعة.

ولفت دكة إلى أنه في الفترة الأخيرة انتشرت التحكيمات التي تحتاج وعيا وفهما، مشيرا إلى أن النيابة لديها ملاحظات على بعض الوجهاء الذين يعملون في كل القضايا سواء اعتداءات أو قضايا أخلاقية أو تحكيمية مالية وقد يكون غير ملم وله خبرة في الإجراءات العرفية فقط ويجهل الإجراءات القانونية المالية.

يقول: "بعيدا عن الدوائر القضائية يتم الحصول على المصالحات بين المواطنين دون إرجاع الحقوق لأصحابها، من باب التخجيل أو حل الموضوع لاحقا"، متابعا: يجب على رجل الإصلاح تقدير احتياجات الناس وتقدير مواقفهم في الصلح.

وأكد أن كثيرا من الناس يتمسكون بحقوقهم في الإجراء القانوني والقضائي أمام النيابة والمحاكم لأخذ حقوقهم ومعاقبة الجاني، وهذا قد لا يلقى قبولا لدى رجال الإصلاح ويعتبرونهم متنكرين للأعراف والعادات والتقاليد.

وهناك قضايا قبل عرضها على المحكمة، قد يحدث تدخل من شخصيات رسمية أو تدفع الأخيرة برجال الإصلاح للتدخل لحلها كون الجاني على صلة بهم، وفي سؤال حول الحالات التي لا تقبل الجهات القانونية فيها المصالحة، أجاب دكة:" بيوت الدعارة وإدارتها، وإذا استخدم أكثر من شخص وكان يتاجر بذلك يستحيل التعاطي مع قضيته بالحلول لأن فيها مفسدة للمجتمع".

**** تنفيذ حكم قضايا الرأي العام

وبعد البحث في القضايا التي أخذت حكما وانتهت، على ما يبدو فإن بعض العقوبات تدفع المجني عليه "الضحية" للجوء إلى رجال العشائر كون تلك العقوبات وفق وجهة نظرهم لا تشفي غليلهم، كما حدث حين حكمت محكمة بداية غزة بالسجن مدة عام ونصف مع دفع غرامة 400 شيكل، على شاب تحرش بطفل صغير مما تسبب بوقوع أضرار جسدية ونفسية.

القضية انتهت في المحكمة بالعقوبة السابقة، لكن الحكم رغم أنه قانوني إلا أن ذوي الطفل يريدون عقوبة أشد، فقد همس أحد ذويه بعد خروجهم من قاعة المحكمة "يا ريت روحنا للمختار كان اخدنا حقنا وزيادة".

وفي السياق ذاته توجهت معدة التحقيق إلى مجلس القضاء الأعلى، للاطلاع على الأسباب التي تعيق تنفيذ الأحكام القضائية، والمعايير التي تعمل وفقها المحكمة للقبول بورقة صلح في القضايا العالقة.

 

القضاء: رجال الإصلاح يعملون على رأب الصدع، وبعضهم "أرزقية"

وذكر المستشار محمد عابد رئيس المجلس الأعلى للقضاء أن السلطة القضائية تسعى بشكل كبير لإنهاء القضايا الحساسة وذات الرأي العام بشكل سريع وشفاف، موضحا أنهم يسرعون بتحديد جلساتها وذلك بعد انتهاء النيابة العامة من إجراءاتها كافة وإيداع لوائح الاتهام بحق المتهمين في المحكمة.

وأشار المستشار عابد لإمكانية إطالة مدة الجلسات إلى ثلاث أو أربع ساعات لتنجز النيابة كافة أوراقها وبياناتها وكذلك الدفاع دون المساس بضمانات المحاكمة العادلة.

وحول تدخل المخاتير في بعض القضايا لاسيما الشرف والقتل لتخفيف العقوبة، قال زياد ثابت رئيس المكتب الفني والتفتيش القضائي: "لهم دور إيجابي كبير في إصلاح ذات البين وتسوية مصالح الناس والبدء إجراءات المصالحة، او بعد وقوع الحدث يعملون على الحد من المشاكل.

وذكر ثابت أنه يحسب للمخاتير ورجال الإصلاح في الحد من تهجير العائلات عند حدوث جريمة قتل، حيث بات في الآونة الأخيرة بعد تدخلهم فقط ترحيل عائلة الجاني.

ويرد رئيس المكتب الفني والتفتيش القضائي على ما يقوله المحامون "أن رجال الإصلاح بات تدخلهم يعيق عملهم، وينتهجون المبدأ المتعارف عليه في حل المشاكل بأنه "يقسمون العرب عربين" بالقول: "هناك علاقة تنافسية بينهم وما ورد ليس قانونيا (..) وهناك قانون الصلح الجزائي الذي يتيح الفرصة للمجني عليه والجاني للتصالح ودفع يد الدولة لأخذ الحق العام وتنتهي الدعوة الجزائية".

وتابع: "رجال الإصلاح يعملون على رأب الصدع، وبعض منهم "أرزقية" وتعد تدخلاتهم مهنة دون أن يكون هدفهم حماية المجتمع مما يجعل وجودهم يعمق المشكلة أكثر".

ومن خلال البحث توجد الكثير من الحالات التي أرغمت على المصالحة، رغم عدم رضاهم ورغبتهم في معاقبة الجاني.

وهنا يذكر ثابت أن هناك تدخلات من المخاتير الذين يعملون بعيدا عن قنوات العدالة الجنائية وبالتالي حلولهم لا تسري، لافتا إلى أن هناك جرائم يعجل الحكم فيها بعد إثبات الأدلة ولا يقبل الصلح فيها كونها تخالف الرأي العام مثل "التخابر والسياسة والإرهاب".

وبحسب ثابت فان بعض أصحاب القضايا يفضلون الصلح العشائري كونه أسرع من المحاكم، معلقا " ما أوردته ليس إدانة للقضاء" لكن لدينا معوقات في عدد القضاة والموظفين وزيادة القضايا، متهما في الوقت ذاته المحامين بأنهم سبب رئيسي في المماطلة لعدم إصدار الحكم لتأخرهم في تقديم بينات موكلهم لأخذ حقه.

وعاد ليؤكد أن رجال الإصلاح حلوا الكثير من القضايا التي لولاهم لبقيت عالقة أمام القضاء، فقد عملوا على تقريب وجهات النظر بما لا يخالف الشريعة الإسلامية.

حديث القاضي ثابت فيه شيء من الغرابة، فكيف يتهم المحامين بالمماطلة في تقديم البينة لإثبات براءة موكليهم، في حين ترحب المحكمة بالمصالحة التي يقوم بها المخاتير وغالبا لا تكون الأدلة حاضرة سوى تراضي الطرفين، وأحيانا يكون أحد الأطراف مرغما على المصالحة ولا يأخذ حقه كاملا.

**** المصالحة العشائرية

ويتباهى كثير من رجال الإصلاح والمخاتير في قدراتهم على حل القضايا العالقة قبل وصولها إلى الدوائر القانونية، فقد حكى أحد المخاتير موقفا حله سريعا، حينما تعدى شاب على شقيقته وحملت منه الأمر الذي كشف لدى والدتهم وأصيبت بالصدمة والحيرة حتى وصلت القضية لمكتبه.

وبعدما روى المختار لمعدة التحقيق تفاصيل القضية، راح يستعرض الحل حيث قال: "طلبت من ولي الأمر السفر إلى أحد الأطباء في الخارج ومنحتها رقم عيادته لإسقاط الجنين واستعادة عذريتها".

وحين عقبت معدة التحقيق بالقول" هذا الحل يخالف الشرع والعرف أيضا" رد "ايش بدك اعمل بهيك قضية؟".

وعن معايير تدخل رجال الإصلاح في الملفات القضائية يقول حسين المغني "أبو سليمان" رئيس الهيئة العليا لشئون العشائر: "نتدخل في حل المشاكل العائلية والخلافات الداخلية والذمم المالية والميراث، وكذلك قضايا القتل (..) ولا نتحرك في أي قضية إلا إذا تم تكليفنا للمضي في اتخاذ الإجراءات العشائرية المنوطة بنا دون إلغاء الحق القانوني العام"، مؤكدا أن المصالحة العشائرية تخفف الحكم حسب معطيات التحقيق.

 

شئون العشائر: لا نبطئ الإجراءات القانونية ونسرع بإنهائها في المحكمة

وفي سياق حديثه أكد ما ذكره القاضي ثابت بأن المحكمة تحيل لهم القضايا في حال كانت المشكلة بين الإخوة على الميراث مثلا للمحافظة على النسيج المجتمعي والترابط، دون وقوع مناكفات في المحاكم حيث يميلون لحل القاضي بالتراضي أفضل من التقاضي بحسب قوله.

وتأكيدا لقوله، خلال المقابلة جاء إلى مكتبه رجل تزوجت ابنته بعد طلاقها من زوجها الأول، لكن لديها مبلغ من المال مع طليقها الأول فاق الـ 3 الاف دولار وتريد استردادها، وهنا حدث جدال بين والدها والمختار، حيث عرض عليه الأخير مبلغ 1500 دولار وينتهي الصراع بين الطرفين، ولأن السيدة لا تمتلك إثباتا قبل والدها بجزء من حقها.

ويعلق المغني على ما سبق:" حينما يختلف اثنان دون وجود بينات نلجأ إلى العمل بـ "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" وذلك عرف لدى المخاتير.

قضايا كثيرة حلت على مبدأ "قسمة العرب عربين"، وبالتالي صاحب الحق لا يحصل على حقه بخلاف لو ذهب إلى الجهات القضائية وبحثت حتى وصل الضحية برفقة محاميه إلى تقديم ولو بينة تثبت حقه ليأخذه بالكامل.

ووفق المغني فإن حجم الشكاوى التي تأتي مكتبه في اليوم ما بين 10 - 15 قضية متنوعة، مشيرا إلى أن تدخلهم في القضايا الأخلاقية أفضل من عرضها على المحكمة كونها تتحول إلى "فضيحة"، فيعملون على حلها بالكتمان حفاظا على النسيج الاجتماعي.

ورغم تأكيده على تفضيل المخاتير لحل القضايا الأخلاقية عشائريا، إلا أنه سرعان ما ناقض قوله حين ذكر أنه يرفض حل أي قضية لفتاة ساقطة أخلاقيا أو قضايا المخدرات.

وقال المغني: "نحن لا نبطئ الإجراءات القانونية بل نسرع بإنهائها في المحكمة (..) لو الإجراءات القانونية سريعة لتوقف رجال العشائر عند حدهم"، مضيفا: كثير من القضايا تبقى عالقة لسنتين وأكثر حتى نتدخل وتحل القضية بعد وقوع المصالحة.

ولم ينف المغني وجود بعض رجال العشائر بلا ثقة والذين يشيعون المشاكل بين الناس لأخذ المزيد من الأموال.

وعلى ما يبدو فإن هناك إشكالية في المنظومة القضائية بسبب عدد القضاة وإنجاز الملفات الجنائية، الأمر الذي يدفع المواطنين لطرق أبواب رجال العشائر للحكم وفق أعرافهم التي مضى عليها الكثير من السنوات ولا تراعي الزمن الذي نعيشه، عدا عن أن أحكام القضاء المخففة تدفع الجناة لمعاودة جريمتهم في حين يسعى الضحية للانتقام كون الحق العام لم ينصفه.