علاقة حماس بإيران: الثمن والعوائد

وفد حماس في ايران
وفد حماس في ايران

د.صالح النعامي

تثير العلاقة بين حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وإيران الكثير من الجدل سواء في الساحة الفلسطينية أو العربية.

وتكمن المفارقة أن الجدل حول هذه العلاقة يثور بشكل خاص في أعقاب تصريحات تصدر عن بعض قيادات "حماس"، والتي يعمدون فيها إلى الإشادة بإيران ودورها في نصرة القضية الفلسطينية وإسنادها لمقاومة الشعب الفلسطيني؛ أو التصريحات التي تصدر عن مسؤولين إيرانيين بشأن هذه العلاقة في أعقاب زيارة وفود تمثل الحركة إلى طهران.

وتنحصر دعاوى المنتقدين للعلاقة مع إيران بشكل خاص في محاججتهم بأن طهران تستغل العلاقة مع حماس وتصريحات قيادات الحركة المطنبة عليها في التغطية على الجرائم التي ترتكبها بحق شعوب عربية مظلومة، سيما في سوريا، ةالعراق، واليمن.

كاتب هذه السطور من أولئك الذين يعتقدون أن إيران ارتكبت، ومازالت، جريمة كبرى بحق الشعب السوري المظلوم من خلال إسناد نظام مستبد طائفي بغيض، ما كان يجب أن يستمر بالبقاء.

لكن الذين يحاسبون حماس من خلال الموقف من جرائم إيران في سوريا يتجاهلون حقيقة أنه قد سبق لحركة حماس أن اتخذت موقفا مبدئيا من جرائم نظام الأسد وأعلنت وقوفها إلى جانب الشعب السوري وثورته ودفعت ثمن ذلك بمغادرة سوريا، وهو ما أفضى إلى حدوث قطيعة بينها وبين طهران.

لقد فرضت تحولات الإقليم على حماس أن تستعيد علاقتها بإيران، فحماس حركة تحرر وطني فلسطينية، تحتاج إلى أي إسناد مادي ودعم سياسي يعينها على تحمل عبء مقاومة كيان أخذ على عاقته اجتثاث الشعب الفلسطيني وتصفية قضيته.

فليس سرا، أن أحد الأسباب التي شجعت حماس على القطيعة مع إيران في حينه تمثل في تفجر ثورات الربيع العربي، وتعاظم آمال الحركة (وغيرها) في أن تسفر هذه الثورات عن بيئة سياسية عربية تمثل حاضنة للمقاومة، بشكل يلغي الحاجة إلى الدعم الإيراني أو يقلصها.

لكن استعادة النظام القديم زمام المبادرة من خلال الثورات المضادة أصاب رهانات حماس في مقتل، وأفضى إلى تهاوي بيئة المقاومة الإقليمية بشكل غير مسبوق.

ولا حاجة للتذكير بالحرب التي شنها نظام السيسي على المقاومة الفلسطينية، وضمن ذلك المزايدة على الكيان الصهيوني في فرض الحصار على غزة وتشجيعه على استهداف المقاومة، كما برز ذلك خلال حرب 2014؛ إلى جانب الجهود التي بذلتها ماكنته الإعلامية والقضائية في شيطنة المقاومة.

إلى جانب جملة الإجراءات والمواقف التي صدرت عن السعودية والإمارات ضد حماس، التي عبر عنها بشكل فج تصريح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة عندما اعتبر "حماس تمثل تهديدا للأمن القومي السعودي"!!.

في ظل الواقع الإقليمي ووجود حكومة يمينية هي الأكثر تطرفا في تاريخ الكيان الصهيوني، لم يعد أمام حماس من بد إلا العمل على تحسين قدرتها على الوفاء بمتطلبات مواصلة العمل المقاوم ومحاولة تقليص الأضرار التي لحقت بها والقضية الفلسطينية جراء الثورات المضادة.

لم يكن من المعقول أن ترهن حماس علاقتها الإقليمية بالموقف من الثورة السورية، سيما بعد أن تركت الدول العربية الساحة السورية لإيران، فاضطرت لاستعادة العلاقة مع طهران.

لكن على الرغم من كل ما تقدم، فإن نظرة متفحصة تدلل على أن حركة حماس في سعيها للحفاظ على العلاقة مع إيران وتطويرها، تدفع ثمنا أكبر بكثير من الثمن الذي كان بالإمكان دفعه.

ونظرا لأن الحكمة والوعي السياسي يقتضيان دوما تقليص الثمن الذي تدفعه الدول والحركات في سبيل بناء علاقة مع طرف آخر، أو من أجل الحفاظ على علاقة قائمة بالفعل، فإنه كان يتوجب على قيادة حماس أن تسعى إلى تخفيض قيمة الثمن الذي تدفعه من أجل مواصلة علاقتها بإيران.

ومما لا شك فيه أن تعمد بعض قيادات حماس الإطناب والإشادة بإيران يستنزف من الحركة ثمنا سياسيا كبيرا، لا يوجد ما يسوغه.

إن مكمن الخلل يكمن في حقيقة أن حماس لا تعي أن حاجة إيران لها أكبر بكثير من حاجتها لإيران، على الرغم من الحصار الذي تتعرض له.

فإن كانت إيران تخوض مواجهة مع الكيان الصهيوني على خلفية تصميم (تل أبيب) على إحباط تمركزها العسكري في سوريا وسعيها لإفشال تطلعاتها النووية، بالتعاون مع إدارة ترامب، فإن طهران تكون معنية بشكل خاص بعلاقة مع ساحة إقليمية تشاغل (إسرائيل) عسكريا وتسهم في تقليص قدرتها على استنفاذ جهدها الحربي ضدها.

ومما لا شك فيه أن غزة تمثل الساحة الوحيدة، بين الساحات الإقليمية التي تخوض مواجهة مباشرة، وبشكل متواصل مع الكيان الصهيوني؛ مما يعني أن إيران عمليا، لا تسدي معروفا لحماس في حال ساعدتها وعمدت إلى تحسين قدرتها على مواجهة (إسرائيل)، سيما في ظل حرص إيران على التجلد واحتواء مئات الغارات التي تشنها (إسرائيل) على مراكز تواجدها في سوريا، والتي أدت إلى مقتل عدد كبير من عناصر الحرس الثوري، وفي ظل الهدوء التام الذي تشهده الساحة اللبنانية، على اعتبار أن مصلحة حزب الله تقتضي ذلك.

ومن نافلة القول، إن هذا لا يعني بحال من الأحوال أن ترهن حماس وحركات المقاومة الفلسطينية المقاومة الأخرى العمل المقاوم ضد الاحتلال بمصالح إيران وتوجهاتها، حيث أن الفعل المقاوم الفلسطيني يجب أن يحتكم فقط إلى محددات المصلحة الفلسطينية؛ مع العلم أن طهران تفيد من هذا الفعل لمجرد وجوده وليس فقط بسبب دوافعه.

على حماس أن تستفيد من تجربة جماعة الحوثي في اليمن، التي تعمل على تقليص كلفة العلاقة مع إيران.

ويمكن الافتراض أن الحوثيين يحصلون على مساعدات من إيران، تبلغ أضعاف أضعاف ما تحصل عليه حماس، ومع ذلك فهم يحرصون على نفي الحصول على هذه المساعدات، وذلك بهدف التخفيف من الكلفة السياسية للعلاقة مع طهران.

في الوقت ذاته، فإن تطوع قيادات من حماس بالإقرار بالدعم الذي تقدمه إيران للحركة لا يعكس حكمة وحنكة سياسية سيما في ظل المواجهة الدائرة مع الولايات المتحدة.

فهذه الإقرارات، التي لا طائل منها، من السهولة توظيفها وإرفاقها بلوائح الإدانة الأمريكية والصهيونية والعربية، التي تسوغ محاصرة الحركة وضربها.

في الوقت ذاته، يتوجب على حماس بلورة رهانات واقعية على العلاقات مع إيران.

فعلى سبيل المثال، بات من الوهم الانطلاق من افتراض مفاده أن العلاقة مع إيران وحزب الله يمكن أن تساعد على عودة الحركة إلى سوريا، فإلى جانب أن كل المؤشرات تدل على أن النظام أبعد ما يكون عن استعادة السيطرة على سوريا حتى بعد كل ما حققه بفعل الدعم الإيراني والروسي، فإن إيران وحزب الله غير قادرين على تمكين حماس من العودة إلى الشام، لأنهما ببساطة ليسا الطرف الأقوى في التأثير على نظام الأسد.

فروسيا هي الطرف الأكثر تأثيرا على هذا النظام، والروس، وبسبب طابع علاقتهم الوثيقة مع الكيان الصهيوني، لا يمكن أن يسمحوا للنظام بالإقدام على أي خطوة تثير حفيظة (تل أبيب)، مثل السماح لحماس بالتواجد في سوريا مجددا.