من الشيخ هاني العلي إلى "الرشيدية": نعم رأيتك يا أمي!

من الشيخ هاني العلي إلى "الرشيدية": نعم رأيتك يا أمي!
من الشيخ هاني العلي إلى "الرشيدية": نعم رأيتك يا أمي!

 الرسالة نت- أحمد الكومي

لاحظت مسنة فلسطينية من مخيم الرشيدية جنوب لبنان، أثناء مشاركتها في احتجاج اللاجئين الفلسطينيين ضد قرار وزير العمل اللبناني، مصوراً صحفياً يصوّب عدسته نحوها. نادته قائلة: "صورني يا خالتي بلكي ابني بفلسطين شافني".

مرّت ساعات على نشر الصورة، ليرد الإبن على أمه: "أمي الحبيبة، نعم رأيتك ويكاد شوقي إليك يقتلني، أسأل الله تعالى أن يجمعني بك قريباً كي أقبّل قدميك".

لم يتوقّع الشيخ "هاني إبراهيم العلي" اللاجئ في قطاع غزة، أن تحظى الصورة بالانتشار الواسع. كان يُفترض أن يعلم ما يفعله أثير الشوق.

لاجئ لأسرة فلسطينية من مدينة صفد المحتلة، ولد عام 1972 في مخيم الرشيدية نفسه، الأقرب إلى فلسطين بين 12 مخيماً للاجئين في لبنان، لأربعة أخوة وأختيْن يعيشون خارج الأرض المحتلة، باستثناءه.

اختار الشيخ "العلي" الوطن على عائلته، يؤمن أن الانتماء للوطن مثل الانتماء إلى أمهاتنا.

لم نكمل السؤال عن قصّة الصورة، حتى ابتسم ثم دار بنظره إلى أعلى.. فدمعت عيناه!

نصف سؤال وإجابة كاملة: "عندما عدت للبيت وجدت أن أخي من لبنان أرسل لي رسالة بالصورة يسألني: هل شاهدت الصورة؟".

أكمل: "عندما شاهدت الصورة بكيت، وعندما كنت أكتب، كنت أبكي (...) طبعا حب الوالدة كبير".

شظايا جمل قالها على مهلٍ، وهو يقاوم رغبته الشديدة بالبكاء.

"والدتي لا تطالب بعمل، لكنها خرجت مع المحرومين لأجل فلسطين، كانت متعبة ومريضة، هي كبيرة في السن، تجاوزت الـ 75 عاماً".

كان يريد أن يقول إنها "أخت رجال" كما يقولون في سوريا.

ثم قال بالهدوء الذي يحمل كل معنى الشوق: "هو شعور يشعر به كل إنسان يشتاق لوالدته، خاصة إذا كان لا يستطيع أن يراها".

يروي "العلي" أن اللاجئين في لبنان يعيشون حرماناً كبيراً: "هم الآن في فترة مظاهرات للمطالبة بحقوقهم، يزداد المنع ويزداد التضييق أكثر".

أخرج من ثوبه محرمة صغيرة مسح بها دموعه ثم أعادها، كان يحاول صاحب أقرب سند متصل الى  رسول الله "ص" في قطاع غزة، أن يبقى متماسكاً.

لجأ "العلي" إلى قطاع غزة في العام 1996، قادماً من اليمن. كان قد تلقى تعليمه حتى الثانوية في مخيمات اللجوء بلبنان، ثم أكمل دراسته في اليمن، في تخصص "علوم الطيران" ضمن كلية عسكرية كان لا يخرج منها إلا يومي الخميس والجمعة!

بمجرد وصوله غزة، التحق بكلية الشريعة في الجامعة الإسلامية وتخرّج منها عام 2000، ثم باشر بعدها دراسة الماجستير في الفقه المقارن حتى العام 2005.

في الفترة نفسها، التحق بدورات القرآن الكريم والتجويد والقراءات القرآنية، وأخذ بعض القراءات عند شيخ قرّاء غزة، الشيخ "حمدي مدوخ" رحمه الله، يقول إنه قرأ عليه ما يقرب أربع روايات من القراءات العشر.

وفي العام 2006 سافر إلى دمشق لدراسة الدكتوراه في الشريعة الإسلامية بجامعة دمشق، لكن لم يتيسّر له إكمال دراسته. هناك درس القراءات على شيخ قرّاء الشام الشيخ "كريّم راجح"، ومجموعة مشايخ ذكرهم، أبرزهم "بكر الطرابيشي" صاحب أعلى سند في العالم!

مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، عاد العلي إلى غزة "ليعيد نشر علم القراءات، والسند القرآني، والسند المتّصل".67765920_693114754495510_7964687151562489856_n.jpg

يعتمر دوماً عمامة حمراء تميّزه عن جميع المشايخ في غزة. عن قصتها يقول: "إنها هدية من أخ عزيز هو الشيخ المجاهد حازم أبو مراد، قال لي حينها: هذه الشاشية الأصلية (باللهجة التونسية) هي لي وفضلتك على نفسي، سأهديك إياها؛ لأنك تستحق أن تلبسها".

استشهد أبو مراد بعدها في انفجار عرضي عام 2014، وكان يعمل خبير متفجرات في وزارة الداخلية بغزة، يقول العلي: "في كل مرة ألبسها أتذكره رحمه الله، أرتديها دوماً ليكتب الله له أجر الهدية".

يؤم الشيخ "العلي" المصلين في مسجد "الخالدي" في منطقة السودانية غرب مدينة غزة، وهو صاحب صوّت نديّ، ويعقد مجالس قرآنية ودعوية منتشرة في أغلب مساجد غزة، مثل "مجلس صحيح البخاري"، ومجلس موطأ الإمام مالك".

عندما سألناه: لماذا اخترت غزة؟ شاح بنظره إلى الأرض، وبصوت مختنق قال: "كنت دائماً أدعوا الله عزوجل أن يرزقني العيش في الأرض المباركة.. حب فلسطين كبير".

كان يريد القول إنها بلاد بحجم القلب. يصف العيش خارجها: "كنّا نعيش غربة داخل غربة".

يدير "العلي" في غزة حالياً مركز "الإمام الطبراني" الذي افتتحه حديثاً؛ لشرح كتب السنّة النبوية. يصفه بأنه "مشروع العمر".

يقول: "وجدت كتباً كثيرة من السُنة لم يتعرض لها أحد بالشرح، وتتحدث عن قرون، عن 1200 سنة تقريباً، وهي تعتبر من أمّهات كتب السنة، مثل صحيح الإمام ابن حبّان.. لا أريد أن يموت هذا الحُلم".

حتى في دراسته، لابد أن يصطدم الشيخ بلفظ "أمّهات" أو "أمّ". لا مفرّ من الذكريات، لا مناص من الحنين.

يقول: "سبق أن زارتني والدتي عندما كانت الحدود مفتوحة في زمن الرئيس المصري محمد مرسي رحمه الله، وبعدها لم أستطع أن أسافر لها. أنا أحاول في كل سنة أن أسافر، لكن يبدو أن القيود صعبة".

"لم أرها منذ 5 سنوات".. قالها ثم سكت طويلاً!

الشيء الذي لا يمكن التعبير عنه بالكلمات لا يمكن إدراكه إلا بالصمت.

صمت الشيخ "العلي"، فأنهينا المقابلة.

لقد فتحت الصورة لديه بابا للشوق لن يستطيع إغلاقه.