شامبوهات ومرطبات نسائية.. أفخاخ لمريضات بالسرطان على معبر رفح!

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

تحقيق - خاص

لجأت "ياسمين" – اسم مستعار- 32 عامًا إلى إحدى المجموعات المتخصصة بأخبار معبر رفح عبر الفيس بوك، للبحث عن شخص يساعدها في دفع رسوم المخالفة لإقامتها في مصر.

ياسمين التي ترافق والدتها المسنّة المصابة بمرض السرطان، اضطرت لفعل ذلك بحثا عن المساعدة، لإمكانية العودة للقطاع بعد رحلة علاج قاسية لوالدتها.

سريعا وصل الرد لياسمين من شخصية في الجروب، قررت مساعدتها عبر إبلاغها أن شخصا ما سيتواصل معها، "أين انت سيأتيك الشخص في المكان التي تتواجدين فيه ومعه المبلغ".

3 آلاف جنيه أو ما يعادل مئتي دولار، المبلغ المطلوب لدفعه للسلطات المصرية تجاه مخالفة الإقامة، مبلغ ارتفع بعد سنوات إذ كان سابقا 120 جنيها تقريبا.

انتظرت ياسمين وصول الشخص في الفندق التي تقيم به في مدينة العريش، لتتفاجأ عند وصوله بأن المبلغ دين وعليها رده عند وصولها للقطاع، لم يكن أمام الفتاة سوى الموافقة أو البقاء في الحجز عند الجانب المصري من المعبر.

"حسنا موافقة" أشكرك سأرده لك فور عودتي إلى القطاع، هكذا ردت عليه، غير أن صدمتها كانت كبيرة حين استوقفها بسؤاله، "ما الضامن أن تردّي المال؟"، ماذا؟ "سأرده فور عودتي"، أجابته ياسمين، "كلا أريد ضمانًا"، كان ذلك رد الأخير عليها.

هنا توقفت عقارب الساعة لدى ياسمين عند سماعها لهذا الكلام، وبدأت رحلة المساومة، "الفلوس مقابل صورة شخصية يمكن إعادتها فور استلامي للفلوس"، رضخت أخيرا ودموع الحسرة تنهمر على وجنتيها، "مضطرة سأعطيك إياها".

** رحلة المساومة

رحلة المساومة، لم تنته هنا، فالصورة التي حصل عليها لم تكن كافية لضمان حقه كما تقول ياسمين، "أريد منك خدمة أوصلي بعضا من هذه الشامبوهات والكريمات لشخص قريب سيوصلها لعائلتي!، عذرا سأزعجك!"

لا شيء يثير الريبة والشك، فالشامبوهات والكريمات محكمة الإغلاق تماما، "حسنا سآخذها وأوصلها"، تبعا لياسمين.

استلمت الفتاة الشامبوهات وحصلت على رقم التواصل مع الطرف الآخر الذي سينتظرها في غزة، وبدأت بجمع أغراضها من الفندق للعودة إلى القطاع.

اصطحبت والدتها المريضة إلى الصالة المصرية من المعبر، "الحمد لله ع سلامتك يا حجة"، الله يسلمك يما" إن شاء الله رجعتي بالسلامة وأمورك تمام"، "الحمد لله يما والله مهدودة من الكيماوي"، هذا نصّ حوار جرى بين الأم الستينية والضابط المصري الذي خبرها عن ظهر قلب نتيجة سفرها المتكرر لمصر بغية تلقي العلاج وهي وطفليها المصابين بالسرطان كذلك.

لحظات حتى وجدت الأم وابنتها ياسمين محاطين بعدد من الضباط وعناصر الشرطة، "ماذا يحصل؟، سألت ياسمين، فرد الضابط بسؤال "ماذا يوجد داخل الشامبوهات؟ مكملا: "هناك حبوب اترمادول".

هنا صعقت الوالدة وابنتها عند سماعهم حديث الضابط المصري، لتجد نفسها منهارة من الدموع والقهر أمام خداع تعرضت له من الشخص المعني، لتبدأ هنا رحلة الاعتقال للفتاة وأمها".

** للضرورة أحكام

ما حصل مع والدة ياسمين، هي قصة من 14 حادثة جرى رصدها من طرف الأجهزة المعنية مؤخرا، لسيدات مريضات، جرى استغلالهن من طرف تجار مخدرات على شاكلة هذا المتهم.

ومن بين السيدات اللواتي جرى اعتقالهن مريضات بالسرطان وغسيل الكلى، وبعضهن تعرض لضرب مبرح داخل السجون المصرية على يد النزيلات، ويعشن ظروفا إنسانية قاهرة، تبعا لما نقلته مصادر عائلية لمعدّ التحقيق.

وتضطر المئات من السيدات المريضات والمرضى الفلسطينيين في قطاع غزة لتحمل معاناة السفر للأراضي المصرية، بحثا عن العلاج بعدما أوصد الاحتلال حاجز إيرز أمام أعداد كبيرة منهم، بذريعة المنع الأمني لهم أو لمرافقيهم.

تبعا للأعداد التي حصل عليها معدّ التحقيق فإن 120 حالة تسجل شهريا لعدد المصابين بالسرطان بغزة.

ويصل عدد المصابين بالمرض في القطاع إلى قرابة 9.600 شخص مسجلين حتى العام 2018.

وسجلت عديد الحوادث التي منع الاحتلال بموجبها مرافقة الأهل لأطفال صغار مصابين بمرض السرطان.

قانوني: لا تستطيع حماس مطالبة الانتربول بتسليم الجناة وهذه مهمة الشرطة الفلسطينية

 

 

ويؤكد مدير دائرة التنسيق والارتباط بغزة رفعت محيسن، أن أعداد الممنوعين من العلاج للضفة تزداد بين الفترة والأخرى، تحت ذرائع أمنية واهية لا معنى لها.

وذكر محيسن أنّ عملية المنع تجري غالبا للمريض أو مرافقيه، لا سيما وأن هناك خصوصية للمريض تستدعي وجود مرافق معه لمساعدته.

وأوضح أن مدة الرد الإسرائيلي على تصاريح المرضى باتت تطول؛ بسبب قرار الأخير برفع سن من يخضعون للفحص الأمني من (16 حتى 35 عاما) إلى (16 حتى 55 عامًا).

وانخفضت نسبة الموافقات الإسرائيلية من (50-60%) منذ العام 2017، ضمن سياسة إسرائيلية جديدة ضد أهالي قطاع غزة، ضحيتها المرضى، تبعا لمحيسن.

** نافذة للاستغلال

ويضطر بموجب هذا المنع، المرضى للتوجه إلى المستشفيات المصرية وتحديدا المستشفيات الثلاثة المتعاقد معها من الجانب الفلسطيني.

ويحتاج المريض مبالغ مالية مضاعفة للوصول إلى الجانب المصري، تكلفه لشخصه فقط لمدة أسبوع ما متوسطه 500 دولار، يضاف إليها تكلفة الشخص المرافق.

وعملت السلطات المصرية على رفع سعر الإقامة في بعض الفنادق وما تسمى بـضريبة "المتأخرين"، فيما يضطر عدد من هؤلاء المرضى لدفعها نتيجة تأخرهم في مغادرة البلاد.

وبناء عليه، فإن المسافر المتأخر أمام خيارين إما دفع ضريبة التأخير التي تقدر بمئتي دولار تقريبا، أو البقاء داخل صالة المعبر المصرية محجوزا، الى حين إيجاد من يدفع عنه.

ويستغل المحتالون، وفق الجهات المعنية، هذه الصالة وما قبلها المستشفيات التي يتواجد فيها المرضى، وخداعهم عبر دفعهم لحمل هذه المواد.

السفارة الفلسطينية في القاهرة، أكدّت أن من أخطر المعضلات التي نواجهها حمل المريض لأعداد كبيرة من المسكنات والمرور عبر الحواجز المصرية المنتشرة خلال الطريق لرفح.

وطبقا لمصدر مهم في السفارة أكدّ لمعدّ التحقيق أنه لا يكاد يخلو يوم من تدخل السفارة في الإفراج عن بعض هؤلاء المرضى وخاصة الجرحى منهم، بعد إلقاء القبض عليهم نتيجة حصولهم على أعداد كبيرة من العقاقير الطبية المخدرة مثل "الاترمال".

وتطلب السفارة من المرضى الانتباه لخطورة هذه القضية المدانة وفق القوانين المصرية.

ولم يخف المختص الأمني مهدي حسنين، وقوف جهات مختلفة خلف عملية الابتزاز التي تتمثل بأشكال مختلفة وأحد أهم أشكالها الاستغلال المالي من طرف الشخص المبتز، منبها إلى خطورة استغلال هذه الحالة من طرف مخابرات الاحتلال.

** شبهات وطرق للابتزاز

مجددا وعلى النافذة ذاتها عبر الفيس بوك، رصد معدّ التحقيق، منشورات عبر جروب متعلق بأخبار معبر رفح، لأشخاص يسألون عن أفراد يرغبون العودة إلى القطاع لاستلام أغراض وتسليمها إلى عوائلهم، وفقا لزعمهم.

اضطر صاحب الجروب حذف هذه المنشورات بطلب أمني فلسطيني، بعد التأكيد على وجود شبهات خداع بعض الأشخاص لنقل الأغراض الملغمة بمواد مخدرة، وفقا للمصادر الأمنية.

كما حصل معد التحقيق على مجموعة من الرسائل المكتوبة والصوتية، التي يقر فيها الشخص المتهم بتسليمه أغراضا لإحدى السيدات في داخلها مخدرات.

طلب المتهم وفق الرسائل، من المرأة إنكار ملكية المواد لها، في محاولة مكشوفة للتنصل من دوره، انتهى الأمر بتهديد المرأة حال أفصحت عنه وعن اسمه.

لكنّ السؤال الأهم يدور حول طبيعة هؤلاء الأشخاص، وكيف تجري عملية الابتزاز والخداع للمرضى.

طبقا لمصادر أمنية في غزة، فإن بعض الأشخاص يترددون على المستشفيات والمعاهد التي يتعالج فيها بعض المرضى، تحت ذريعة محاولة مساعدتهم وخاصة النسوة المصابات بمرض السرطان.

ويبدأ الشخص بتقديم طرح المساعدة البسيطة للمرضى المخالفين في الإقامة أو المحتاجين لمبلغ بسيط من المال، لقاء أن يحمل بعض الأغراض ونقلها لأشخاص ينتظرون في الجانب الفلسطيني من المعبر.

مدير الدائرة القانونية في مكافحة المخدرات النقيب حسن السويركي، أوضح أنّ عملية التهريب تجري بطرق مختلفة من بينها مواد الغذاء، "وصل إلى حد دسها في علب الشكولاتة والجبن وغيرها".

وينبه السويركي المرضى الذين يحملون في العادة أدوية مصنفة ضمن المواد المخدرة إلى ضرورة اصطحاب روشتة طبية، لكنّ الأخطر من ذلك أنّ من يجري اعتقاله ويضبط بحوزته مخدرات ولم يتم التعرف على صاحب المادة فإنه يكون المسؤول أمام القانون عنها.

ويوضح السويركي أنّ عملية الاستجواب والإجراءات الرسمية التي تثبت ملكية الشخص للمواد من عدمها، تحتاج لفترة زمنية ليست بالقصيرة، وهي معاناة كبيرة على عاتقه، "والحل ألا يحمل مواد أخرى لغيره".

** العجز القانوني والشرطي

حتى لحظة إعداد التحقيق والمعلومات التي حصل عليها المعدّ، فإنّه لم تقدم أي شكوى لدى الجهات الحقوقية المعنية، باستثناء بعض المحاولات من السفارة وبعض الجهات المعنية بالعمل للمساعدة في الإفراج عن بعض السيدات، لكنّ السؤال الأهم: لماذا لم تتمكن الجهات المعنية من ملاحقة هؤلاء الأشخاص المتهمين رغم معرفة أسمائهم؟

تشير مصادر أمنية في غزة أنه طلب تسليم بعض الأسماء المشبوهة، فيما جرى اعتقال بعض المشتبه فيهم في المكان.

أحمد أبو زهري الباحث في الشؤون السياسية والقانونية، أكدّ أن الإشكالية بأن هؤلاء الأشخاص يمارسون أنشطتهم غير المشروعة أثناء وجودهم في الأراضي المصرية وهذا يثير إشكالية عدم اختصاصنا في تحريك الدعوى كون الجريمة وقعت خارج القطاع حتى لو أضرت بمواطنين من غزة".

 

جهات أمنية فلسطينية: 14 سيدة جرى اعتقالهن على هذه الخلفية منذ الثالث من يونيو الماضي

 

 

في الجانب الآخر إذا ما ثبت أن هؤلاء مارسوا بعض هذه الأنشطة داخل القطاع، أو حتى حال ضبط المرضى داخل المعبر الفلسطيني وهم ينقلون المواد دون علم وقد غرر بهم، وحاولت الأجهزة المختصة البحث عنهم وتنامى إلى علمها أنهم غادروا بعد فعلتهم متوجهين للأراضي المصرية فهنا تظهر صعوبات أخرى في إمكانية إحضار هؤلاء بالطرق الرسمية لمحاكمتهم في غزة، وذلك بسبب الأوضاع الراهنة وظروف الانقسام وغياب التنسيق الشرطي وخصوصا بين إدارة الإنتربول في غزة ونظيرتها في مصر، تبعا لأبو زهري.

وأوضح أبو زهري "أن هذا يعطي فرصة لهؤلاء المجرمين للاستمرار في هذه الممارسات غير المشروعة مستغلين الظروف الاستثنائية القائمة في غزة، وفى ظل غياب أي دور للسلطة الفلسطينية ونخص هنا السفارة الفلسطينية، وحتى إدارة الإنتربول في رام الله التي لديها ارتباطات وأعمال مشتركة مع العديد من الدول بما فيها مصر".

وحاول معد التحقيق التواصل مع رئيس جهاز الشرطة الفلسطينية في رام الله حازم عطا الله غير انه لم يتلق ردا.

فيما رفض السفير الفلسطيني في القاهرة التعليق على الحدث نظرا لما تضمنه من خصوصيات، مشيرا إلى أنّ هذه القضايا تتابع من طرف الأجهزة الأمنية في المعبر.

أما هيئة مكافحة المخدرات في غزة، فعملت على توجيه تحذيرات للمسافرين بشكل عام والمرضى بشكل خاص، من حمل أي أمتعة أو حقائب من الجانب المصري من أشخاص غير معروفين، بداعي تمريرها ونقلها لأشخاص من الجانب الفلسطيني.

وشددت الهيئة على هذه التوجيهات بعد الحادثة الأولى لاعتقال سيدة على الخلفية ذاتها في الثالث من شهر يونيو الماضي، تبعا لمصادر أمنية.

من جهته، أوضح أشرف أبو سيدو مدير الشؤون القانونية في الإدارة العامة لمكافحة المخدرات في وزارة الداخلية والأمن الوطني بغزة، أن العديد من هذه الحقائب كانت عبارة عن أشياء ملغمة بالمواد المخدرة.

وسرد قصة لنقل بدلة عروس من الجانب المصري، من طرف امرأة طلب منها شخص ما لنقلها للعروس على الجانب الفلسطيني من المعبر، وكانت ملغمة بحبوب الاترمادول.

 

دائرة المخدرات: مجرمون يخدعون مريضات لتوريد مواد مخدرة من مصر

 

 

ونصح أبو سيدو المواطنين الابتعاد عن حمل أمتعة غير المعروفين والثقات بدرجة كبيرة، مع ضرورة التدقيق فيها بكل الأحوال.

إحدى السيدات من مريضات السرطان، وقعن ضحية لأحد هؤلاء "الذئاب البشرية" وصفته بـ"الكافر" بعد تعرضها لعملية الخداع وحبسها في ظروف مأساوية رغم حالتها الصحية المأساوية.

وعلم معد التحقيق أن هناك توجها لإنشاء عيادة متخصصة بعلاج مرضى السرطان ستقام بجوار المستشفى الدولي على جانب معبر إيرز.

تنفيذ ملتقى اعلاميات الجنوب ضمن مبادرة "استقصائيون ضد الفساد2"