علي الأشقر الشهيد الذي ورث البطولة عن جدته

ارشيفية
ارشيفية

غزة- رشا فرحات

من جديد، جمعة أخرى موسومة بالدماء على جبين الأطفال كما في كل مرة، فهنا اسم يعتبره العالم رقما، ثم تضعه غزة على رأس سلم البطولة التي ورثها عن عمه وجدته.

إنه علي الأشقر ابن السابعة عشر، من مخيم جباليا الذي ترجل شهيدا مساء الجمعة الماضية حسب ما أعلنت وزارة الصحة أثناء فعاليات مسيرات العودة وكسر الحصار شرق قطاع غزة.

أطلق على نفسه لقب الفدائي وقال لأصحابه مع بداية صباح الجمعة:" هبوا على المنطقة الشمالية، هبوا للجنان مشمرين، الشمال نقاء وصفاء، موعدنا اليوم في أبو صفية، ثم ذهب.

خرج للمرة الأخيرة ولم يعد، كان برفقة والدته في زيارة خاطفة لجدته، حينما خرج فجأة، وافتقدته فلم تجده إلى جانبها، ورغم إصابته أصر على المشاركة، فقد كان يشكو لأمه من ألم في قدمه المصابة بانتظار عملية جراحية يوم الاثنين. خرج لكن هذه المرة عاد شهيدا بعد إصابات خمس سابقة، على ذلك السياج الذي حفظه جسد علي الهزيل أسبوعا بعد أسبوع.

وخرجت غزة كلها تودع علي حيث تقدمت جدته التي كانت ضعيفة هشة في المستشفى قبلها بيوم، تصرخ من قلب مكسور:" يا ريتني ودعته، يا ريتني حضنته" وهي تتذكر أن علي كان يقف ببابها قبل ذهابه بدقائق إلى منطقة أبو صفية.

ولكنها هي ذات المرأة الضعيفة قامت ونفضت عنها ثوب الضعف وسارت في جنازة حفيدها وهي تردد: لا تبكوا على الشهيد، عند الله مولود جديد، ودوا الشهيد بدمه، مكتوب على أيدينا، علي والله عينينا، مكتوب على جبينا، علي والله حبيبنا، مكتوب على جبينا، إياد والله حبيبنا "

ثم تذكرت، وعادت بها الحياة إلى عام 1987 وهي تهتف ذات الهتاف لابنها إياد الذي استشهد في ذلك العام، لتكون أما لشهيد وجدة لشهيد آخر.

يذكرها كل من عاشوا تلك التجربة، حيث كتب بعض أصدقاء ابنها الشهيد قائلين:" الفدائية أم إياد الأشقر في الانتفاضة الأولى أصيب ابنها وأصيب معه أحد الأصدقاء، وحين وصلتهم وهم مسجين بدمائهم، وجدت ابنها قد استشهد، ومن معه على قيد الحياة، فغطت وجه ابنها على وجه السرعة، وبقوة لا ندري من أين امتلكتها، همت بإسعاف المصابين بمنديلها وملابسها، وفعلا أنقذت حياة أحدهم.

وها هي أم علي الفدائية تورث بطولتها لحفيدها، ولك أن تستنتج من أين أتى الابن الشهيد والحفيد الشهيد بكل هذا الإصرار والصمود والجسارة، من قلب تلك الأم الثائرة التي تتصدر جنازة حفيدها اليوم بكل قوة وإصرار، كما تصدرت جنازة ابنها قبل أكثر من ثلاثين عاما.

ورغم الثبات والصمود، تنقل الوجع بين أفراد عائلته التي بللت عيونهم دموع القهر على طفل كان من المفترض أن يدخل الجامعة في السنة القادمة، شقيقه يبكي ويقول: كان صديقي، كاتم أسراري، بينما قالت أمه: لم أتوقع استشهاده، لقد أصيب خمس مرات متتالية، وحينما أبلغوني هذه المرة كنت اعتقد أنها إصابة سادسة، لقد ذهبت ووجدت ابني ملفوفا في كفن، ثم تمسح دمعة قبل أن تضيف: ذكرياته في قلبي لن أنساها، الله يسهل عليه ويحنن عليه.

وكذلك وقف والده بكل ثبات رغم دموعه: كلنا فدا فلسطين، وسنكمل الطريق، ولن تتحرر القدس إلا بدمائنا.

دفن علي في قبر إلى جانب عمه الشهيد، وبقيت جدته تعد اللحظات والأرقام، ذلك كان يوم الجمعة وعمه كان له يوم آخر، ولو ينسى كل العالم تلك الأيام، قلبها المتجرع للحسرات لا ينسى.

استشهد علي مع طفل آخر يوم الجمعة فيما رصدت الطواقم الطبية تعاملها مع 6 إصابات منها 46 بالرصاص الحي خلال الجمعة 73 لمسيرة العودة وكسر الحصار شرق القطاع.