حفظ ملف القضية في النيابة... كيف يستعيد المواطن حقه؟

غزة- لميس الهمص

منذ العام 2011 يتنقل المواطن غالب أبو عودة بين أروقة مراكز الشرطة والمحاكم والنيابة طلبا لاسترجاع مبلغ خمسة وثلاثين ألف دولار من أحد الأشخاص بعدما تعرض لعملية نصب واحتيال.

مرت السنوات حتى تمكن أبو عودة من تثبيت حقه بسند دين منظم، لكن المتهم تملص من الدفع وبات حرا طليقا بعدما تم حبسه مدة وجيزة من الزمن.

آخر محطات القضية وصلت بأبو عودة إلى تقديم شكوى لدى النيابة العامة محاولا استعادة أمواله، لكنه تفاجأ بقرارها حفظ ملف القضية نظرا لأنها من اختصاص القضاء.

"حفظ الملف" لدى النيابة يعتبره المتظلمون جائرا بحقهم، وأنه إضاعة لحقوق المواطنين، لذا كان لا بد من طرح العديد من التساؤلات، من صاحب الصلاحية بحفظ الملفات؟ هل هناك واسطة وأهواء تدخل في عملية حفظ الملفات، وهل يمكن للمشتكي أن يتابع قضيته حتى لو اتخذت النيابة قرارا بحفظ الملف؟

الأسئلة السابقة كانت مدار بحث التحقيق الذي انتقل بين شكاوى المواطنين، وآراء المحامين، وطرح على طاولة البحث لدى النيابة العامة.

* تظلم المشتكين

أكثر من ثماني سنوات يحاول خلالها أبو عودة استعادة أمواله لكن اصطدم بطول أمد الإجراءات القضائية، وبالمقابل بحث المتهم عن منافذ قانونية للتهرب من دفع الأموال المستحقة عليه.

ورغم الكثير من المخاطبات الرسمية التي بعث بها أبو عودة للجهات المختصة، إلا أنها توقفت مؤخرا عند حفظ الملف لدى النيابة العامة.

 

محامي: الإجراء لا يخل بحق المواطن في التظلم

ليس ببعيد عن الملف ذاته، تقدم محمد عليان بشكوى لدى النيابة العامة بقضية نصب واحتيال لاسترجاع مبلغ سبعة آلاف شيقل، لم يسددها المشتكى عليه رغم انتهاء موعد استحقاقها.

مضى أكثر من ثلاثين يوما على الشكوى التي قدمها عليان، لكن لم يصله أي رد حتى الحظة.

وفي تفاصيل القضية طلب المشتكى ضده شهادة أحد الوسطاء في الإشكالية أثناء أخذ الشرطة إفادته قبل إحالة الملف للنيابة.

المفاجأة أن الشرطة حصلت على إفادة الشاهد خلال تواجد المشتكى ضده في جلسة الإفادة، مما أثار العديد من علامات الاستفهام لدى المشتكي عليان، متسائلا هل يعقل أن يتم الحصول على إفادة الشاهد في وجود المتهم؟

ويعتقد المشتكي أن مثل هذه الإجراءات غير قانونية، وربما تفتح الباب أمام الانحياز لطرف ضد الآخر في سبيل حفظ القضية.

مصادر حقوقية قالت إن النيابة العامة تحاول هذه الأيام وضع حد لأي تجاوز من خلال فتح الباب أمام أي مشتك ليتظلم على حفظ الملف لدى النيابة، وذلك بدءا من التظلم لدى رئيس النيابة المعنية، وصولا لمكتب النائب العام.

ويرى المصدر أن مثل هذه الإجراءات تحد من أي محاولة للتلاعب بمسار الشكوى أو تدخل الواسطة والمحسوبية في القضية.

وتشير الإحصائيات الصادرة عن النيابة إلى أنه ورد لديوان النائب العام 3000 مظلمة خلال العام 2018، وعقد ما يقارب 850 جلسة استماع للمواطنين في النيابة العامة في مكتب النائب العام، وهو ما يظهر حجم الملفات التي جرى حفظها لدى النيابة وتم التظلم حولها من المواطنين.

وفي قضايا النصب والاحتيال وحدها بينت النيابة العامة في تقرير صادر عنها أنها حققت خلال الفترة الممتدة من يونيو 2017 وحتى يونيو 2018، في (555) قضية نصب واحتيال ذات رأي عام حيث استجوب فيها المتهمون وحصرت أموالهم وممتلكاتهم وتم تسوية (276) قضية بشكل كامل فيما تم حفظ (131) قضية، وإحالة 27 قضية لدى لجنة خبراء محاسبية جارٍ متابعة الإجراءات أمامها للوصول إلى الحقائق المالية المتعلقة بتلك القضايا.

** إجراءات التظلم

وفي إطار الاطلاع على رأي المختصين المتابعين لتلك القضايا، قال المحامي عبد الله شرشرة أن الأمر بحفظ الأوراق هو قرار إداري يصدر من النيابة العامة بوصفها سلطة اتهام بعدم تحريك الدعوى الجنائية إذا رأت أنه لا محل للسير فيها.

وبحسب شرشرة فإن قانون الإجراءات الجزائية الفلسطيني ينص على أنه يحق لعضو النيابة العامة متى انتهى التحقيق ورأى وكيل النيابة أن الفعل لا يعاقب عليه القانون أو أن الدعوى انقضت بالتقادم أو بالوفاة أو العفو العام أو سبقت محاكمة المتهم عن الجريمة ذاتها أو لأنه غير مسؤول جزئيا لصغر سنه أو بسبب عاهة في عقله أو أن ظروف الدعوى وملابساتها تستوجب حفظها لعدم الأهمية.

ويعتقد المحامي أن هذا الإجراء لا يخل بحق المواطن في التظلم، فهو يستطيع التظلم للنائب العام، كما يجوز له أن يستأنف قرار النائب العام أمام المحكمة المختصة.

ومؤخرا، أصدر النائب العام في قطاع غزة، قرارا باعتماد نظام شكاوى جديد، يمنح المواطنين الحق في التظلم ضد قرارات أعضاء النيابة في النيابات الجزئية، ومن ثم الاستئناف على قرار النيابة الجزئية في النيابة الكلية، وفي حال كان لا يزال المواطن مصرا على الاعتراض على قرار النيابة العامة يحق له رفع الشكوى لدى ديوان النائب العام وفي هذه الحالة يجوز له طلب عقد جلسة استماع لعرض شكواه، حسب شرشرة.

*** جدوى التظلم

انتقل ملف التحقيق إلى المحامي علي الدن عضو مجلس إدارة نقابة المحامين الفلسطينيين، وكان السؤال حاضرا حول ملاحظاتهم على حفظ الملفات من خلال متابعتهم لملاحظات وآراء المحامين.

الدن قال: الكل يجد نفسه على حق، وفي هذا الإطار سنجد تظلما على حفظ الشكوى، لكن إجراءات النيابة العامة في تقديم التظلم، واتخاذ الشكاوى على محمل الجد أدت لنوع من الشفافية للمواطن إلى حد ما.

ويشير الدن إلى أنهم في نقابة المحامين يعتقدون أن إجراءات التظلم التي وضعها النائب العام أفضل من السابق، ويحفظ العمل من المزاجية والواسطة وظن السوء.

 

النقابة: نظام التظلم ذو جدوى أكبر من السابق

ويعتقد أمين صندوق نقابة المحامين أنه بكل الأحوال هناك إقناع من النيابة في إجراءات التظلم، ويعزو حجم حفظ الملفات الكبير إلى تزايد عدد القضايا المرفوعة لدى النيابة، وبالتالي ترتفع أعداد الملفات المحفوظة.

ولفت إلى أن إبراز الأسباب التي أدت لحفظ الملف لدى النيابة، هي العنصر الأهم، ومع ذلك يمكن استئناف القضية أمام المحكمة المختصة.

ويرى الدن أن نظام التظلم الذي أقر قبل سنوات ذو جدوى أكبر من السابق.

*** الباب المفتوح

على طاولة ديوان النائب العام، كانت القضية حاضرة خلال لقاء مع رئيس النيابة المستشار حسام دكة الذي قال: "تنتهي الدعوى الجزائية التي تباشرها النيابة العامة بهدف مكافحة الجرائم إما بتوجيه لائحة اتهام وتحويل المتهم للمحاكمة، أو حفظ الملف لعدم كفاية الأدلة أو لوفاة المتهم أو بسبب انقضاء الدعوة الجزائية بالتقادم أو لأي أسباب أخرى ينص عليها القانون".

ويشير دكة إلى أن حفظ الملف لا يعني انتهاء القضية، فبإمكان المشتكي أن يتظلم على القرار بناء على النظام المعمول به لدى النيابة العامة.

 

النيابة: إجراءات التظلم الواضحة بهدف إيصال صوت المواطن للجهات المختصة

وفصّل رئيس النيابة التظلم على قرارات الحفظ على ثلاثة أقسام، الأولى إجرائية تتعلق بحق الخصوم بالتساوي بالإجراءات والاستماع لهم وما يملكونه من شواهد وأدلة، والثانية فنية تتعلق بالتكييف القانوني مثل اتهام المشتكى ضده بجناية لكنه يعتقد أنها جنحة تستحق عقوبة أخف، أما الثالثة فترتبط بالإجراء السلوكي لأعضاء النيابة مثل رفضه الاستماع لأحد أطراف القضية.

وشرح دكة إجراءات التظلم، قائلا" إذا كانت المظلمة إجرائية أو فنية تبدأ إجراءات التظلم لدى رئيس النيابة الجزئية المختصة، وان شعر المواطن أنه لم ينصف، يتوجه بعد ذلك لرئيس النيابة الكلية، وفي حال لم يقتنع المواطن بقرارها أيضا، يتوجه الى المكتب الفني بديوان النائب العام الذي يتخذ قراره النهائي بخصوص المظلمة.

أما المظلمة السلوكية المتعلقة بأعضاء النيابة، فيقدمها المواطن مباشرة إلى ديوان النائب العام، لأنها متعلقة بسلوك عضو نيابة ولا يحق أن يحكم عليها بنفسه.

ويشير دكة الى نقطة مهمة وهي أنه يمكن للمواطن أن يتظلم أيضا قبل حفظ الملف مثل إذا كان لديه بينة ولم يسمعها المحقق أو مأمور الضبط.

وبحسب رئيس النيابة، فإن الوقت ليس مفتوحا أمام أعضاء النيابة لتقديم ردودهم على تظلم المواطنين، وأضاف: " النظام منح التظلم الإجرائي والفني وقتا للرد خلال خمسة أيام فقط، أما التظلم السلوكي فيجب أن يتم الرد عليه خلال أسبوعين".

ولفت إلى أن القرار على التظلم النهائي الصادر عن ديوان النائب العام، يمكن الطعن فيه أمام المحكمة رغم أنه يتضمن تفاصيل أسباب الحفظ.

وفي رده على سؤال حول كثرة عدد الملفات التي يتم حفظها لدى النيابة، يقول المستشار دكة: "الكثير من القضايا البسيطة لاسيما التي تتعلق بالقدح والذم، والمشاكل بين الأزواج وغيرها يتم حفظ ملفها بعد الوصول لحل، وذلك للحفاظ على استقرار المجتمع".

وشدد على أن سياسة الباب المفتوح التي ينتهجها النائب العام، ووضوح الإجراءات الخاصة بتظلمات المواطنين شجعتهم على المطالبة بحقوقهم.

ويعتقد دكة أن هذه الخطوات تهدف لإيصال صوت المواطن للجهات المختصة، في سبيل تحقيق العدالة الإجرائية.

ما بين تظلم المواطنين وإجراءات النيابة في متابعة شكواهم، يبقى المشتكي يعتبر أنه على حق، وعلى منظومة العدالة أن تعيد الحق لأصحابه.