ترامب إذ يقلق نتنياهو: درس عربي

ترامب إذ يقلق نتنياهو: درس عربي
ترامب إذ يقلق نتنياهو: درس عربي

د.صالح النعامي           

على الرغم من تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرد على قصف المنشآت النفطية شرق السعودية، بعد اتهامه لإيران بذلك، إلا أن كل المؤشرات تدلل على أنه معني تحديدا بالتقارب معه وإغلاق ملف الخلاف بشأن الاتفاق النووي.
ومما يدلل على ذلك أنه حتى رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو، الذي عد نفسه حتى الآن الأكثر تأثيرا على ترامب، بات يخشى من مؤشرات تشي بتوجه ترامب للتوصل لصفقة مع إيران.
فقد أشعل قرار ترامب إقالة مستشاره للأمن القومي جون بولتون الأضواء الحمراء في ديوان نتنياهو؛ حيث أن الكثيرين في (تل أبيب) نظروا إلى الخطوة على أنها مؤشر قوي على توجه ترامب لإحداث تحول جذري على سياساته تجاه إيران.
ففي (إسرائيل) يعون تماما أن بولتون، يتبنى المواقف الأكثر تشددا تجاه إيران من بين مساعدي ومستشاري ترامب، مما يعني أن إشارة الرئيس الأمريكي إلى حقيقة أن الخلافات في وجهات النظر معه كانت السبب الرئيس وراء التخلص معه، وهذا بدوره يدلل على أن واشنطن تسلك مسارا مغايرا لما أوصى به بولتون، وراهن عليه نتنياهو.
ويخشى نتنياهو أن تمثل إقالة بولتون مؤشرا على استعداد ترامب للتوصل لاتفاق جديد مع إيران، لا يأخذ بعين الاعتبار خطوط (تل أبيب) الحمراء، المتمثلة في إلزام طهران بوقف برنامجها النووي بشكل نهائي وبدون تحديد سقف زمني، وتفكيك الترسانة الصاروخية وقطع علاقتها بحزب الله وحركات المقاومة الفلسطينية ووقف جهودها الهادفة إلى التمركز عسكريا في سوريا والعراق.
ومما يفاقم الإحباط في (تل أبيب) حقيقة أن المؤشرات التي تثير الشكوك إزاء الموقف الأمريكي تجاه إيران، وضمنها إقالة بولتون، وإعلان وزيرة خارجيته مايك بومبيو استعداد ترامب للقاء الرئيس الإيراني حسن روحاني بدون شروط مسبقة، قد جاءت بعد 24 ساعة على "كشف" نتنياهو عن وجود موقع نووي دشنته إيران بشكل سري، وهي الخطوة التي راهن عليها في تقليص فرص حدوث تقارب بين طهران وواشنطن.
لقد أقدم نتنياهو على عدة خطوات أخرى بهدف إحباط الجهود التي بذلها الرئيس الفرنسي عموانئيل ماكرون ومحاولة قطع الطريق على قبول مبادرته لتسوية الخلاف بين طهران وواشنطن، حيث أكد عدد من كبار المعلقين في (تل أبيب) أن أحد أهم الأهداف من قراره تكثيف الغارات في سوريا والعراق ولبنان هو توفير بيئة تسمح بإفشال هذه الجهود. 
كما كشفت النسخة العبرية لموقع "المونتور" الأسبوع الماضي، عن طلب نتنياهو من سفيره في واشنطن رون درمر، التوجه لقادة التيار الإنجيلي، الذي يمثل قاعدة ترامب الانتخابية، ومطالبتهم بالضغط عليه وإجباره على عدم الموافقة على لقاء روحاني.
لكن كما كشفت صحيفة "هارتس"، فإن ترامب ومساعديه ينطلقون من افتراض مفاده أن عقد لقاء مع روحاني ومحاولة التوصل لاتفاق جديد مع طهران لن يؤثر على مدى التزام الإنجيليين بمواصلة دعمه في الانتخابات القادمة.
في (تل أبيب) باتوا يعون المنطق الذي يدفع ترامب لمنح فرص للجهود الهادفة لحل الخلاف مع إيران، حيث يبدو بشكل واضح أن الرئيس الأمريكي معني بتحقيق إنجازات سياسية عشية الانتخابات الرئاسية العام القادم.
وكما يقول عاموس هارئيل المعلق العسكري لصحيفة "هارتس" إن التقديرات السائدة في (تل أبيب) ترجح أن رغبة ترامب في تحقيق إنجازات سياسية على صعيد السياسة الخارجية قبل الانتخابات الحاسمة العام القادم تجعله أقل استجابة للضغوط التي يمارسها نتنياهو لمنعه من محاولة التقارب مع إيران.
ويوضح هارئيل في مقال تحليلي نشرته هارتس أن ترامب يرسل رسائل واضحة تشي بنيته إحداث تحول على سياسته الخارجية، عبر محاولة التوصل لاتفاق جديد مع طهران، منوها إلى أن الرئيس الأمريكي أثبت بالأفعال والأقوال أنه غير معني بمواجهة عسكرية مع إيران حتى بعد أن قامت بإسقاط طائرة التجسس الأمريكية.
ويلفت هارئيل الأنظار إلى أن اليمين في (إسرائيل) قرأ سلوك ترامب بشكل خاطئ، مشيرا إلى أن ترامب في النهاية يقلق فقط من أجل نفسه، لذا فهو معني بتحقيق اختراق على صعيد السياسة الخارجية ولا يبحث عن حرب جديدة.
المفارقة أن الذي يضع عراقيل أمام إجراء اتصالات مباشرة بين طهران وواشنطن هم الإيرانيون، الذين يطالبون برفع العقوبات كشرط مسبق.
ومما يزيد الأمور تعقيدا حقيقة أن مؤشرات التحول على موقف ترامب تجاه إيران تتزامن مع الانتخابات الإسرائيلية المصيرية.
من هنا، فإن مؤشرات التراجع على موقف ترامب ستضعف نتنياهو داخليا، حيث أنه ظل يزعم أنه هو الذي تمكن من دفع واشنطن للانسحاب من الاتفاق النووي وفرض عقوبات غير مسبوقة على إيران.
وقد عبر المعلق الإسرائيلي بن كاسبيت عن المعضلة التي يواجهها رئيس الوزراء الإسرائيلي حاليا، قائلا إن نتنياهو كان يفضل أن يعترف ترامب بالقدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية على أن يوافق على لقاء روحاني. 
قصارى القول: إن كان نتنياهو يشعر بكل هذا القلق إزاء نوايا ترامب تجاه إيران، فلماذا يواصل الحكام العرب الرهان على ساكن البيت الأبيض؟