لَستُ بِمُتَسوِّلَة

توضيحية
توضيحية

بقلم: منار محمد صبحين

لفتني حينما جلست الى جوار فتاة عشرينية في سيارة العودة بعد يوم طويل، بعض الدموع التى حبست والصوت الذي اختنق بين غضب وتنهيدة ساخنة، سألتها هل سيتأخر السائق؟ أجابت وتلك العينان مازالتا منشغلتان بالهاتف وأصابعها لازالت مستمرة في الكتابة برسالة نصية طالت حروفها واستغربت من مهارتها المكوكية وسرعة الأداء، لوهلة تساءلت ما بال الفتاة؟ أهناك مكروه أصاب أحد من أهلها؟ أم أن دراستها ليست على ما يرام؟ أو لربما أحوالها صعبة ولم تستطع سداد رسومها الجامعية؟ فالأوضاع في بلادي لا تسر حبيب أما الأعداء فتسرهم الأذية.. وفجأة علا صوت هاتفها، انتظرت لدقائق، وكأنها تفاجأت، بدأ الخوف على وجهها لكنها تشجعت بادئة جوابها بنعم، ومن صوت المتحدث المرتفع علمت بأنه رجلٌ غاضبٌ استمر بالحديث لدقائق، كلما أرادت أن ترد أو تتكلم لم تستطع من طوفان الكلمات المنهالة عليها بلا توقف، وفجأة قالت كلمتها لا أريدك ولا أريد شيئا منك، فأنا لست بمتسولة.

حينها وكأن الأمر اتضح، والغرابة قد خفّ تأثيرها ،وعلمت بأن الجواب هو الاحتياج العاطفي الذى لا يمكن لأحد أن ينكره لمّا خلق الله لآدم حواء جعلها له مؤنسة ورفيقة وقريبة ،وجعل لها آدم السكن والأمان لا يمكن أن نقول بأن النساء والرجال لهم القدرة على تجاهل وجود الآخر أو حتى العيش بدونه بشراكة، فالنظرة المتعالية من بعض الرجال للنساء أعتبِرها مرض قد مس شخصيته، والاستهتار بدور الرجل في حياة الانثى جريمة في حقها، وهى لا تعلم، فكلا الطرفين بحاجة للآخر، هي سُنة الله ليس لها تبديل، لكن أحوالنا تبدلت ونظراتنا تحولت ،الانفتاح المشهود في مظهر العلاقات التي تجمع بين الجنسين جعل بعض القيم تتبدل وتتغير، فلا مانع من تعدد الخليلات، ولا تُلام هي إن كثرت علاقاتها، وتبدلت وتحولت، فما عاد العيب عيب، وأصبحت الأمور طبيعية ،نحن لا نلوم الكون والطبيعة ،بل نلوم ذواتنا التي اختل فيها ميزان الفضيلة التي جعلت من الرجل يستهين بأنثى أهدته قلبها ويزيد , وانثى غيرها جعلت من قلب رجل اضحوكة ألقت به لمَّا ملَّت وأصابها السأم، لو علم كل انسان أن ما يقوم به سيعود عليه يوما ما ،لأوقف جرأته التى لا تعرف حد، ولا توقفها رغبة، لو تذكر بأن هنا من ينتظر منه عَثَرة ليهوى به إلى حفرة يضيع فيها عمره وحلمه ووطنه، فكم غافلٍ وكم من غره سواد الليل حتى يئس من نور صبح ينجو ويستفيق من سبات اليأس الى ضياء الأمل .

هي قصتها لربما انتهت، أو لربما عادا، لا أدرى، فقد وصلت إلى بيتي، حيث أطفالي الصغار بانتظاري وتركت لها دعوة علَّها تلمم قلبها فرح، ويزيل باريها ما بها من جرح، ويصلح حالها وأحوال من أتعب جراحهم مذاق الملح ..