تجارة الأبحاث العلمية تتغذى على غياب الرقابة والقانون الرادع

غزة-محمود فودة


لم يكن أمر إعداد رسالة الماجستير صعبا على الطالب "أ.ع" المسجل في برنامج الدراسات العليا في إحدى جامعات قطاع غزة، بعد أن استطاع توفير المبلغ المطلوب لإحدى المكتبات، التي تكفلت بإعداد رسالة الماجستير وما يسبقها من إجراءات للبحث العلمي، دون اهتمامه بحجم السرقة العلمية التي يقترفها.
تجربة الطالب "أ.ع" تكشف عن الشق التجاري في عمليات البحث العلمي بقطاع غزة، والذي يعمل به أشخاص خلف الكواليس، لإعداد مختلف الأبحاث العلمية، بدءاً بأبحاث التخرج لبرنامج البكالوريوس، ورسائل الماجستير، والدكتوراه، بالإضافة إلى الأبحاث العلمية المقدمة للجامعات بغية الحصول على درجات معينة في السلم الأكاديمي، وكذا الحال مع المؤتمرات العلمية.
ويعزو الطالب "أ.ع" اتجاهه إلى هذا الطريق في إعداد رسالة الماجستير، لانشغاله بالعمل في إحدى الشركات التجارية الكبرى في قطاع غزة، وعدم توافر الوقت اللازم لإعداد الرسالة، وشجعه على ذلك أحد زملائه الذي أنهى البرنامج في وقت سابق، وساعدته إحدى المكتبات في إنجاز الرسالة بالشكل المطلوب.
وبالسؤال عن إعداد الرسالة الخاصة به بالسرقة من مؤلفات سابقة، أجاب الطالب بأنه شدد على المكتبة بعدم سرقة أي جزء من مؤلفات أخرى لكي لا يقع في مشكلة مع مشرفه بالجامعة، أو في وقت لاحق، إلا أن صاحب المكتب طلب منه الثقة به بأن الرسالة "حتمشي زي الحلاوة" وفقا لقوله.
ما سبق، دفع "الرسالة" للسير في تفاصيل هذه التجارة، والاطلاع على مدى انتشارها، والتركيز على مدى اعتمادها على سرقة مؤلفات الغير، في حين تتوزع مئات المكتبات ومراكز النشر على مستوى قطاع غزة المرخص منها لا يتجاوز 20 مكتبةً.
سوق الأبحاث
في زيارة لبعض المكتبات ومراكز البحث في محيط منطقة الجامعات غرب مدينة غزة، تستمع إلى تكلفة إعداد الأبحاث العلمية، التي باتت أسعارها سوقا يتغير بحسب التوقيت والجامعة والفكرة والمضمون وغيرها من المتغيرات التي تسمح للعاملين في هذا المجال، التلاعب بالأسعار، وإرغام الباحث على دفعها.
وفي إحدى المكتبات التقينا بأحد العاملين في إعداد الأبحاث ويدعى "الدكتور" في أوساط الباحثين رواد المكتبة، والذي كان يتحدث همسا بالحد الأدنى لأسعار الأبحاث، حيث أشار إلى أن بحث التخرج تبدأ تكلفته من 250 شيكلا، ورسالة الماجستير من 700 $ فأعلى، والأبحاث العلمية المقدمة للمؤتمرات أو الجامعات لنيل درجات في السلم الأكاديمي تبدأ من 1000 $.
وبالسؤال عن مصادر هذه المؤلفات، قال "الدكتور" لـ"الرسالة" إن جزءاً من هذه الإجابة يمثل "سر المهنة" لا يمكن البوح به، وجزء آخر يمكن الحديث فيه، وهو يتعلق بقراءة مؤلفات سابقة، والبحث عن فكرة البحث في جامعات خارجية، والاطلاع على تفاصيل مواد منشورة لديهم في ذات الاتجاه.
وبالسؤال عن إمكانية الاستعانة بمؤلفات أخرى في حال كانت تدعم الفكرة، من خلال نسخ أجزاء منها، وهو بمعنى السرقة الذي تحفظ معد التحقيق على توجيهه بشكل مباشر لـ"الدكتور"، أجاب الأخير بأن الاستعانة تكون بحدود معينة، وفي نطاق ضيق، بما لا يضر بمصلحة الباحث.
"التعليم" تحذر
وبالنظر إلى خطورة الموقف، توجهنا إلى وزارة التربية والتعليم العالي، والتقينا بالوكيل المساعد لشؤون التعليم العالي الدكتور أيمن اليازوري، الذي أكد بدوره أن الوزارة وجهت تحذيرات متكررة لبعض المكتبات والمراكز الخاصة التي تعمل على إعداد أبحاث علمية جاهزة وتقوم ببيعها للطلبة الأكاديميين، وذلك انطلاقاً من مبدأ الشفافية والحفاظ على جودة مخرجات البحث العلمي.
وأوضح اليازوري أنه وفقاً للقانون الأساسي لسنة(2003م) المعدل وتعديلاته وقانون التعليم العالي رقم (11) لسنه (1998م) فإن الجهات المخولة في إنتاج المعرفة البحثية هي مؤسسات التعليم العالي ومراكز البحث العلمي المرخصة من وزارة التربية والتعليم إضافة إلى الباحثين المتخصصين من حملة المؤهلات العليا.
وأشار إلى أن هناك العديد من الشركات والمكاتب والمكتبات تقوم بإنتاج أبحاث دون مراعاة أصول البحث العلمي ومبادئ الشفافية والأصالة والجدة والتوثيق ودون الرجوع إلى أي جهة مسئولة، مبينة أن ذلك يتم عبر نسخ وسرقة وإعداد وبيع أبحاث جاهزة لطلبة البكالوريوس أو الدراسات العليا بشكل مخالف للقانون.
تقصير الباحثين
من جهتها، قالت وزارة الثقافة على لسان مدير عام المكتبات في الوزارة الدكتور محمد الشريف إنه في عام 2011 تم إصدار قرار وزاري يقضي بمنح كل مؤلف وبحث علمي رقم إيداع لدى الوزارة، يحمي المؤلف العلمي من السرقة، إلا أن غالبية الباحثين في قطاع غزة لا يتجهون لتنفيذ المعاملة لدى الوزارة، برغم أنها مجانية.
وأوضح الشريف في حديثه لـ"الرسالة" أن رقم الإيداع الذي يمنح لكل مؤلف علمي يعطي التخويل الكامل لوزارة الثقافة بمحاسبة أي جهة تمس المؤلف العلمي بأي شكل، سواء بالسرقة أو التحريف، أو التوزيع بدون إذن الناشر، وهذا ما حصل فعليا مع عديد المؤلفات وجرى التنسيق مع وزارة الداخلية والأمن الوطني لحماية المؤلفات ومحاسبة المتعدين.
ونبّه بأن عدد المؤلفات التي حصلت على أرقام إيداع بلغت 1130 مؤلفا منذ عام 2012 من أصل آلاف المؤلفات والمنشورات العلمية التي صدرت خلال الأعوام السبعة الماضية، وهذا يشير إلى وجود تقصير لدى الباحثين في الحصول على أرقام إيداع لدى الوزارة.
وشدد على أن أي مؤلف لا يحمل رقم إيداع يفتح الباب واسعا أمام المكتبات ومراكز الأبحاث لسرقته أو أجزاء منه؛ لأنه لا يملك مستندا قانونيا يمنح الجهات الحكومية حق محاسبة المعتدين، وفي ذلك دعوة لكل الباحثين للتوجه لوزارة الثقافة لتثبيت حقوقهم بأرقام الإيداع وتحصين مؤلفاتهم بذلك.
وبيّن أن طواقم الوزارة تقوم بجولات ميدانية على المطابع ومراكز البحث والمكتبات بشكل دوري، لمتابعة أعمالهم، والاطلاع على آليات إنشاء الأبحاث العلمية، مع الإشارة إلى ضرورة إيجاد قوانين صارمة تحمي الملكيات الفكرية.
الجامعات تحاول السيطرة
وللاطلاع على موقف الجامعات من هذه القضية، التقينا بالدكتور بسام السقا نائب عميد البحث العلمي والدراسات العليا في الجامعة الإسلامية، الذي قال إن الجامعات تحاول السيطرة على حالة التعدي على الملكية الفكرية، بجملة من الإجراءات العلمية اللازمة لذلك.
وأضاف السقا أن وزارة الثقافة أصدرت قبل سنوات تعليمات بهذا الخصوص، إلا أن المشهد لا يزال غير منضبط في مسألة البحث العلمي، وعانينا بشكل حقيقي من هذه المشكلة خلال العقود الماضية، إلى أن تم اتباع نظام جديد في مراقبة الأبحاث العلمية المقدمة في الدراسات العليا.
وأوضح السقا أن الجامعة الإسلامية وضعت قوانين صارمة اتجاه سرقة الأبحاث العلمية، بالتزامن مع اعتمادها برنامجا إلكترونيا للحد من هذه المشكلة، حيث يكشف البرنامج الاقتباسات والسرقات العلمية، في أبحاث الماجستير والدكتوراه، وفي حين أن الجامعة تعتمد على نسب معينة من الاقتباس وفي حالات محددة.
ولم يخفِ السقا أن الجامعة اكتشفت عديد السرقات العلمية في الأبحاث المقدمة إليها، فيما شدد على أنه في حال ضبط أي باحث سرق في أي مرحلة من مراحل دراسة الماجستير او الدكتوراه، يتم فصله بشكل كامل من البرنامج وبلا رجعة.
وأكد أن تقصير الجهات الحكومية في متابعة هذه القضية يحتم على الجامعات تحمل مسؤولياتها، من خلال مراقبة الأبحاث بشكل دقيق، واعتماد القوانين الصارمة، والبرامج التي تمكن عمادة البحث العلمي من اكتشاف السرقات ومحاسبة مرتكبيها.
وعن السرقات العلمية في البحوث المقدمة للمؤتمرات، أو من أجل الحصول على ترقيات جامعية، أوضح السقا أن هذه الحالات نادرة جدا، في ظل أن الأبحاث يجب أن تكون محكمة ومعتمدة من مجلات مرموقة لديها اعتبارات عالية المستوى في الاعتماد، مشيرا في الوقت نفسه إلى وجود أنظمة رادعة لأعضاء الهيئة التدريسية فمن يضبط متلبسا بسرقة علمية يفصل من الجامعة.
الناحية القانونية
وللبحث عن الناحية القانونية، اتجهنا إلى المجلس التشريعي الفلسطيني، والتقينا بالأستاذ أمجد الاغا مدير الشؤون القانونية في المجلس، الذي قال إن الإطار القانوني الناظم لحقوق الملكية الفكرية المطبق في الأراضي الفلسطينية يتسم بالقدم والترهل حيث لا يزال يسري على حقوق المؤلف القوانين التي صدرت في عهد الانتداب البريطاني والممثل في قانون حقوق الطبع البريطاني الصادر في عام 1911 والتي مضي عليها قرابة 108 سنوات.
وأوضح الاغا أن القانون لم يعد يتناسب مع حجم التطور التكنولوجي والقرصنة الحديثة في الوسائل التكنولوجية، وبالإضافة لهذا هناك قانون آخر صدر عام 1924 معدل للسابق، إلا أنه لم يغط جوانب القصور ليومنا هذا.
وأشار إلى أنه بقدوم السلطة صدر قانون المطبوعات والنشر رقم 9 لعام 1995 ونستطيع أن نقول انه أرسى اطارا قانونيا مقبولا للحفاظ على الملكية الفكرية والمؤلفات وذلك من خلال إقرار مجموعة من العقوبات على كل من ينتهك حقوق التأليف أو طباعة مؤلفات دون إذن أو رخصة من صاحبها.
وبيّن أنه بالمثال المادة 41 من قانون المطبوعات والنشر التي حظرت على مالك المطبعة أو مديرها طباعة أو نشر أو توزيع أو تداول أو بيع أي مطبوعة غير مرخص بإصدارها ورتبت عقوبة على هذا الفعل بغرامة لا تقل عن 500 دينار أردني ولا تزيد عن 2000 دينار. 
ومن ناحية أخرى، فإن قانون الطباعة والتأليف لعام 1924 فرض عقوبات مالية تتعلق بكل من قام ببيع نسخة مقلدة من مؤلفات يسري عليها الطبع والتأليف وكذلك كل من نسخ مطبوعات مقلدة أو قدمها للبيع أو وزعها يغرم بما لا يزيد عن 50 جنيها فلسطينيا، ويتم تقديره الآن بمبلغ مالي بحسب السلطة القضائية.
وأكد أن من النصوص القانونية الحديثة في عام 2011 لحماية الملكية الفكرية صدر قرار وزاري رقم 54 لعام 2011 بشأن نشر المصنفات ورقم الإيداع.
ونظم هذا القانون عملية إيداع المؤلفات الفكرية وألزم المطابع بعدم نشر أي مصنف او كتاب إلا بعد الحصول على رقم إيداع من الوزارة إضافة إلى موافقة الوزارة الخطية، وفي حال مخالفة ذلك يخضع للمساءلة القانونية وفقا للتشريعات السارية.
وشدد على أن القوانين التي تحمي الحقوق الملكية الفكرية والطبع والنشر هي قوانين قاصرة وقديمة وبحاجة إلى تجديد وملاءمة مع الواقع والمستجدات الإلكترونية خاصة، في ظل انتهاك الأوعية الإلكترونية بعد أن كان الانتهاك للأوعية الورقية.
ونبّه بأن عقوبة السرقة في قانون العقوبات لا تسري على سرقة المؤلفات والمقالات والكتب الإلكترونية، في حين أنها قد تسري على الورقية، في حال نزع الغلاف، وتغييره بأسماء أخرى.
وفي الرد على سؤال معد التحقيق عن دور المجلس التشريعي في إيجاد قانون شامل، قال الأغا بأن هناك عدة مشاريع تتعلق بحقوق التأليف موجودة من ضمن الأولويات في المجلس التشريعي، وتتضمن بعض أحكامها حماية حقوق المؤلف في المجالين الورقي والإلكتروني.
وبيّن أن مناقشة المشاريع على أجندة التشريعي، إلا أنه من الضروري المسارعة في مناقشته، وإقرار القوانين اللازمة في أقرب وقت ممكن، للحفاظ على الملكية الفكرية، مشيرا إلى أنه قد صدر قانون معاملات إلكترونية من خلال المجلس التشريعي، ويتناول كل المعاملات الإلكترونية، بما فيها تجريم بعض اشكال الانتهاكات السجلات الإلكترونية، والتي من خلالها يمكن استنباط عقوبة للسرقات العلمية الإلكترونية.
وفي نهاية التحقيق، وبعد إظهار خطورة السرقة الملكية الفكرية، والإتجار بها، تدعو "الرسالة" إلى ضرورة إيجاد قانون شامل يواكب المستجدات المتعلقة ب السرقات الإلكترونية وكذلك الورقية، بالإضافة إلى ضرورة تحمل كافة الجهات الحكومية مسؤولياتها اتجاه هذه القضية، بما فيها وزارة التعليم ووزارة الثقافة.