بالأمس القريب

كان للأمس حكاية
كان للأمس حكاية

إسراء الصُّوري.

في جعبة وطني، كان للأمس حكايةٌ...

عاش بها بطلها طويلًا، مات منذ البداية، لقد خبَّأ في قلبه هديَّةً لطفلته النَّاعسة، كان يُسابق دقائق ليلته الثَّقيلة؛ كي يكون شمعة ميلادها في اليوم التَّالي، بعد طول غياب... أغمض عينيه على هذا الحلم كي يكتمل بسلام، ثم أَوْلَى لقلبه الحراسة على تلك الهديَّة...

لم يكن يعلم أن ذلك الحلم الجميل، كان مُراقبًا، يتلصَّصهُ شيطانٌ من قريبٍ، مَكَرَ بأن يكون له كابوسًا تستهلُّ به طفلته عامها الجديد، وأصرَّ على تحقيقه في الفجر القريب، دون جعلها تلمس طيفًا من حلم أبيها لترويه إلى مفسِّر الأحلام!

من هو خصمه الحقيقي الأب، أم الطِّفلة، أم الاثنان معًا؟!

غادر النَّومُ أجفان ليان وفتَّشت حولها عن همهمات أبيها، وتعويذات حلمه في اللَّيلة السَّابقة، فلم ترَ شيئًا إلَّا أطلال الكابوس الْلَّعين على قدمها!

غُدِرَ أبوها قبل أن يقدِّم لها هديَّتَيْه الثَّمينتين: وجهه، وبعضٌ من السَّعادة المطاردة! ففاقت على أنقاض ذلك الحلم في الغرفة المجاورة، جسدٌ، وهديَّةٌ مدفونةٌ فيه، وبجواره... من نسجت معه خيوط الفرح المؤَجَّل للصُّبحِ القريب، وجدت أمَّها تقاسمه الموت، كما قاسمته الحبَّ والدُّعاء...

وجدت عليهما ثيابَ عرسٍ، متجهِّزان بين حياةٍ أبديةٍ بعيدةٍ عن فراقهما، وفراقٍ متجذِّرٍ في قلبها وأشقَّائها، وفرعه في السَّماء، وهنالك أدركت ليان الصَّباح! وكُتِب للوالد حياةٌ بعدما كانت فديةً من ولده، هناك وعلى مسافاتٍ بعيدةٍ قريبةٍ تروي دمشقُ فراقًا، تَبَدَّلَ به دورُ أبطالِ الشَّهادة!

شهيدٌ، خرج للحياة، بعدما قُدِّر له الموت، احتضن أمَّه، يتضوَّر مكانًا أكثر أمانًا من رحمها، فدافع عن أمانه الوحيد بكلِّ ما أوتيَ من قوَّةٍ وتشبَّث به، إلى أن قُطع ذلك الحبلُ بينه وبين أمِّه؛ خشيةَ الفراق، فسقط شهيدًا تحت قدميها متعجِّلًا الجنَّة، وكي يرتمي بين ذراعيِّ والده، ويوصيه بأخواته الخمس!

ثم أخذت الأمُّ تتحسَّس أخبار ولدَيْها وزوجها، بإشعارٍ أتاها كسرعة الضَّوء الخاطف، كي تلملم ما تمزَّق من قلبها، ثم لتعود به خرقةً مثقوبةً، لم يكتمل لها نصفها الآخر، ولا فلذةٌ لكبدٍ واحدةٍ! ففارقته من بعد احتضانه أسبوعًا كامِلًا، ولم تتمكَّن من رؤيته إلا على سريرٍ لم تهزُّه عليه هزَّةً واحدةً، ولكن زلزلته بصرخة الوداع!

هذا وقد اكتملت العائلة واستقبلوا دمع العزاء بلهفٍ شديدٍ، إلى أن أطبَق عليهم ذاك السَّكن الحذر، لأن ينجوا من بين العذاب والشَّفقة، طفلٌ ورضيعةٌ، لم تُكمل وجبتها من صدر أمها، فاختصرت شهورها حولين كاملين، فلم تُتمَّ الرَّضاعة!

ليستيقظ الجميع من موتهم في الصَّباح التَّالي، على إبرٍ مهدِّئةٍ، قد وفَّرتها ملائكة الرَّحمة!

على أن تعود الحياة من جديد، ويُوْصل كلٌّ منهم الجزء المقتطع من عاداتهم اليوميَّة، تاركين خلفهم، فراغَ ما بين المشرق والمغرب في قلوب الثَّكالى!.