فلسطين.. غابت عربيا وظهرت في هارفارد

محمد سعد عبدالحفيظ
محمد سعد عبدالحفيظ

محمد سعد عبدالحفيظ

بالتزامن مع العملية العسكرية التي شنها جيش الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة الأسبوع الماضي والتي سقط فيها عشرات الشهداء بينهم 8 أطفال من أسرة واحدة تنتمي إلى عائلة السواركة، وبينما أصيب الشارع العربي بحالة من الخرس على تلك الانتهاكات، قرر طلاب كلية الحقوق بجامعة هارفارد الأمريكية في نيويورك الاحتجاج على الجرائم الإسرائيلية بطريقتهم.

وبحسب فيديو تداوله نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، ظهر طلاب هارفارد وهم يقاطعون كلمة للقنصل الإسرائيلي في نيويورك داني دايان، عندما كان يستعد لإلقاء محاضرة في إحدى قاعات كلية الحقوق.

غادر طلاب الحقوق القاعة مع بدء كلمة القنصل الإسرائيلي والتي خصصها للحديث عن «الاستراتيجية القانونية للمستوطنات الإسرائيلية»، ورفعوا لافتات وشارات سوداء، كتب عليها عبارات تعبر عن تضامنهم مع فلسطين ورفضهم للعدوان الإسرائيلي.

ورغم مغادرة معظم الطلاب القاعة استمر دايان في إلقاء محاضرته أمام مدرجات شبه خالية، فيما نظم الطلاب وقفة احتجاجية خارج القاعة ضد استضافة جامعتهم للقنصل الذي وصفوه بـ«مجرم حرب»، في الوقت الذي تتعرض فيه غزة للقصف بالطائرات الإسرائيلية، ورفضا لمحاولة المسئول الإسرائيلي إضفاء الشرعية على سياسة السطو التي تتبعها تل أبيب لإقامة مستوطنات على أرض يملكها أهل فلسطين.

دايان نشر على حسابه بموقع «تويتر» صورا للمحاضرة من إحدى الزوايا تجنب فيها إظهار المدرجات الخاوية، وأرفقها بكلمات شكر لإدارة كلية القانون بجامعة هارفارد العريقة التي أتاحت له الفرصة لتقديم محاضرة يشرح فيها موقف دولته من المستوطنات.

قلب فيديو طلاب هارفارد المواجع على الجمهور العربي الذي صمت مكرها على جرائم العدو الصهيوني ضد أهل فلسطين منذ سنوات، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي استدعى البعض مشاهد من تفاعل الجامعات والميادين مع أهل غزة ومع المقاومة الفلسطينية بكل أطيافها إبان الاعتداءات الإسرائيلية السابقة، ونشروا فيديوهات من مظاهرات الغضب التي انطلقت في العواصم العربية نهاية 2008 مع فيديو طلاب هارفارد مصحوبة بعبارات اعتذار عن الحالة التي وصلنا إليها «الخرس يصيب الجامعات العربية وطلاب هارفارد ينتفضون ضد جرائم إسرائيل».

ليس من الإنصاف لوم الشارع العربي على غضه الطرف عن اعتداءات إسرائيل المتكررة على أهل غزة ولا على تراجع القضية الفلسطينية في سلم أولوياته، فالتشويه المتعمد للمقاومة وتحويلها من حائط صد وخط دفاع أول عن القضية العربية الأم إلى كيان متهم بالإرهاب تم التخطيط له وتنفيذه وتسويقه من خلال منصات إعلامية تابعة للأنظمة العربية، حتى تتمكن تلك الأنظمة من فتح خطوط الاتصال والتطبيع مع العدو الصهيوني دون أي محاولات عرقلة أو رفض من شعوبها.

سقطت القضية الفلسطينية عمدا ومع سبق الإصرار ووصل الأمر إلى تباهي رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو بعلاقات بلاده العلنية والسرية مع تل أبيب، حتى أنه أعلن مؤخرا أن إسرائيل دخلت في أحلاف عسكرية وأمنية للحفاظ على أمن وأراضي دول الجوار «نحن أقوياء لدرجة أننا قادرون على منع الاستيلاء على هذه الدول»، قال نتنياهو خلال مؤتمر في البرلمان الإسرائيلي لإحياء الذكرى الـ25 لتوقيع معاهدة السلام مع الأردن الأسبوع الماضي.

لم تسقط القضية من حسابات الشارع العربي بسبب حملات التشويه المتعمد التي طالت المقاومة وأهل فلسطين فقط، فالعنف الذي تواجه به الأنظمة المظاهرات والاحتجاجات وعلميات الاعتقال الممنهجة التي ترتكز على قوانين «منع التظاهر» أشاعت الخوف وجعلت الشباب يفكر ألف مرة قبل النزول إلى الشارع للتعبير عن تضامنه أو رفضه لتطبيع حكوماته مع المعتدى.

بالطبع لن تطول تلك الحالة، ولن تستمر عمليات حصار الجماهير العربية، كما لن تنجح عمليات التشويه الممنهج للقضية الفلسطينية، فالشعوب التي تمكنت مؤخرا في السودان والجزائر ولبنان والعراق من نفض الخوف عن كاهلها وقلب الموازين ستعيد ترتيب قضاياها وستعود فلسطين إلى موقعها الطبيعي قضية العرب المركزية وستظل إسرائيل هي العدو مهما حاولوا تغيير عقيدة الشعوب.

الشروق المصرية