وضوح الموقف وغموض الخلفيات

محمود مرداوي
محمود مرداوي

محمود مرداوي

لمن يراقب أحداث الأشهر القليلة الماضية يقرأ المشهد على النحو التالي:

حصار على إيران مشدد يفرضه ترمب بدفع وتشجيع من نتنياهو ومباركة وترحيب دول الخليج.

إيران التي كيفت اقتصادها لتحمل قدر كبير من الضغوطات ومواجهة آثار الحصار أدركت أن هذه المرة تختلف عن كل المرات من حيث الأثر والأضرار الناتجة عن الحصار المتواصل والعقوبات فبادرت للضغط السياسي بأعلى درجاته، فكانت هجمات الحوثيين على الإمارات والسعودية، وكانت النتيجة مباشرة على موقف الدولتين بدأت بالإمارات التي تراجعت والسعودية التي لينت وأبدت استعداداً للحوار، لكنّ التأثيرات لم تتجاوز الحدود السياسية للبلدين، فاضطرت إيران لممارسة الضغط بأدواتها عندما وجهت ضربة لأرامكو التي تؤثر على الاقتصاد الدولي ، لكن الحصار والخناق أسرع على إيران من تأثير الحوار الجاري بالنار في الخليج ، فانتقلت لممارسة الضغط على الجهة الوحيدة التي يأبه بها القرار الأمريكي ويتأثر من صرخاتها ترمب، فحاولت بالمسيرات من قرية عقربا في سوريا مهاجمة الجولان ، ثم تدحرجت الأمور جراء تداعيات القصف الإسرائيلي في عقربا والذي استشهد فيه مقاتلين من حزب الله وبات واضحاً للصهاينة أنهم في عين العاصفة وفي مرمى الاستهداف من لبنان على مدار أسابيع من الشد والتوتر.

لقد أدرك نتنياهو وأركان أمنه وجيشه أن رؤية إيران لفك الحصار تمر من تل أبيب ، فتحولت استراتيجية الهجوم الذي شكل عنواناً على مدار الأشهر الماضية ليصبح استراتيجية دفاع وانتظار ، تخلل هذه المرحلة توتر ومواكبة في قطاع غزة تُوجت بالجولة الأخيرة ، على إثر اغتيال الشهيد بهاء أبو العطا ، ثم عادت الأمور لتسخن من جديد في الشمال بإطلاق أربع صواريخ على منطقة الجليل الأعلى تضع إشارة استفهام كبيرة وتكشف العقل السياسي الإيراني المضمور، فإن كانت من صنع إيران وإشرافها فهي انتكاسة حقيقية لا تتوافق مع إيقاع المواجهة ولا تعكس ذكاء يتوافق مع الإدارة الناجحة في الأشهر الماضية ، وإن لم يكن بإشراف إيران والموالين لها تكون مؤامرة تعطي المبرر للعدو لإعادة استراتيجية الهجوم بعد خوف وانتظار وانكشاف الرؤية السياسية والتقديرات الاستراتيجية للعدو من قبل إيران ، وهذا لم يتم إلا بناء على قراءة استخباراتية اعتمدت معلومات حقيقية أراحت العدو وبينت حدود وسقف الاستراتيجية العسكرية الإيرانية التي تحسب منها العدو إلى درجة أنه أعاد النظر في إجراءاته الأمنية وميزانياته العسكرية وغير تكتيكاته في الانتشار والهجوم وسُلم الأولويات والسياسات.

وما بين الغموض والانكشاف بون واسع غير مواقف واستبدل سياسات.