لصاحبه الشهيد الشيخ الياسين

حكاية منزل احتضن الأبطال.. فأثمر زرعه بحماس

من منزل الشيهد أحمد ياسين (صورة ارشيفية)
من منزل الشيهد أحمد ياسين (صورة ارشيفية)

غزة-أمل حبيب

جدراني في اشتياق دائم للشيخ المجاهد وهو يبتسم.. وغرفتي "الاسبستية" ما زالت تفتقد صوته الضعيف حينما كان يجتمع بإخوانه المسلمين موجها وقائدا مميزا.

أفتخر بأنني أول من احتضن شرارة الانطلاقة الأولى لحركة المقاومة الاسلامية، ورغم بساطتي الا أنه ولد من رحمي أول بيان لحماس عام 1987 إبان انتفاضة الحجارة.

بين أحشائي أحتفظ ببقايا كرسيه المتحرك.. وملابسه المتعطرة بدمائه، وبعض من مقتنياته الخاصة، وعلى واجهتي الخارجية نقش اسمي على الجدران.. (هذا منزل الشهيد الشيخ أحمد ياسين)، فعند زيارتي سأعرفكم على نمط حياة صاحبي الرمز المؤسس.

ويعتبر بيت الشيخ إرثا تاريخيا عظيما لحركة حماس وخصوصا لاحتوائه اجتماعات ولقاءات عمالقة المؤسسين وتبنيه قراراتهم.

"الرسالة" تأخذكم في جولة بمنزل الياسين بحي الصبرة بغزة، لتسترجع وإياكم حكاية منزل احتضن الأبطال فأثمر زرعه بحماس.

الصور تتكلم

ما ان وطئت أقدامنا المكان حتى فاحت منه رائحة المقاومة والحرص لإعلاء كلمة الله من غير رياء، شعرنا بالعزة والفخر لأننا نقص عليكم حكاية معلم تاريخي للحركة الإسلامية بفلسطين.

أهل البيت انطلقوا في موكب بدء فعاليات الانطلاقة الرابعة والعشرين فالحاجة أم محمد –زوجة الشيخ- خرجت مع أبنائها للاحتفال بذكرى تأسيس حماس.

فتح الباب لنا الطفل محمود عبد الغني أحمد ياسين واستقبلنا في قاعة الجلوس التي تمركز في صدرها كرسي متحرك تجلس عليه صورة الشيخ، وقبل أن نسأل قال الطفل: هادا رمز لسيدي الله يرحمو (...) تعالوا أورجيكو الكرسي الحقيقي لما استشهد عليه.

محمود 10 سنوات كان المرافق لنا في جولتنا مع ذكريات الشيخ.. لامست أناملنا كتب القائد ياسين التي تنوعت بين الإسلامية والسياسية والتربوية فمنها عن السنة النبوية والفقه المنهجي وأخرى عن الصراع العربي (الاسرائيلي) وغيرها.

ومن صورة للياسين مع الرنتيسي المعلقة في واجهة المجلس، تذكرنا الأسد وهو يزأر بعد استشهاد شيخ القسام قائلا: "يا آل ياسين لم يكن الشيخ لكم وحدكم، يا حماس لم يكن الشيخ لكم وحدكم، يا شعب فلسطين لم يكن الشيخ لكم وحدكم، يا أمتنا العربية لم يكن الشيخ شيخكم وحدكم، يا عالمنا الإسلامي لم يكن الشيخ شيخكم وحدكم إنه شيخ للإنسانية جمعاء، إنه شيخ تجاوز كل الحدود في قيمه وأخلاقه وثباته في يقينه وإيمانه وجهاده وصبره واحتسابه".

أسد القسام نهل من أفكار ومنهج الشيخ وبعد استشهاد الياسين كان الرنتيسي في شوق دائم للقياه حتى لحق به شهيداً بعد 25 يوما لتتعانق روحاهما معا في عليين.

حفيد الشيخ أشار إلى سرير جده القديم وقال: "هذا ما تبقى من رائحة جدي"، أما شقيقته شيماء فكانت تنظر من بعيد وتتمتم لوالدتها وتقول أخبريه بأن جدي كان دائم القول: أملي أن يرضى الله عني"، فترد زوجة عبد الغني ابن الشيخ: يمه هم عارفين.

ملامح الطفل محمود ابن العشرة أعوام تشبه ملامح جده الشيخ ويجمعهما أمران هو العزيمة والإيمان رغم المرض وضعف الجسم فالشيخ رحمة الله عليه كان خير قائد للحركة الاسلامية فرغم شلل جسمه كان يحرك الملايين من فوق كرسيه المتحرك ويرتعش من صوته الضعيف القادة والجنرالات (الاسرائيليون)، ومحمود ضعيف البنية ووجهه مائل للصفرة بسبب مرض الثلاسيميا الذي يمتص دمه ولكن الطفل استمد العزيمة والقوة من شخصية جده، فكان واضحا عليه سرعة البديهة ويمتاز بلباقة بالحديث التي لمسناها خلال استقباله "للرسالة".

منارة الحركة

وبمجرد دخولك غرفة الشيخ القديمة المغطاة بالألواح الاسبستية تتخيل كأنك تشارك في اجتماع سبعة من كبار قادة جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين عام87 وهم أحمد ياسين وإبراهيم اليازوري ومحمد شمعة وعبد الفتاح دخان وعبد العزيز الرنتيسي وعيسى النشار وصلاح شحادة، وكان هذا الاجتماع إيذانًا بانطلاق حركة حماس وبداية الشرارة الأولى للعمل الجماهيري ضد الاحتلال الذي أخذ مراحل متطورة.

وعند حديثنا عن البيت كان لابد لسيرة الشهيد الشيخ أن تقتحم حوارنا بدون استئذان فقال وائل المناعمة أحد الأشبال الذين تربوا على يد الياسين: الشيخ كان كريماً وجواداً، وإذا ما قصده أحد طالباً مساعدة مالية يقدم له أكثر مما يطلب، وأضاف: كانت قيادات حركة حماس دائمة التجمع بالبيت للتداول في شؤون القضية الفلسطينية وإدارة الانتفاضتين وتسيير أمور الحركة.

واسترجع المناعمة وهو أحد جيران الشيخ بعض المشاهد التي مازالت محفورة بذاكرته عن منزل المؤسس فقال: كان بمثابة النواة الحقيقية لانطلاقة حماس (...) عبارة عن منارة يلجأ إليها جميع الشعب الفلسطيني وخصوصا القيادات أمثال حماد الحسنات وإسماعيل أبو شنب وإبراهيم المقادمة وإسماعيل هنية وغيرهم.

لم يقتصر منزل الياسين على التخطيط للعمل الدعوي والجهادي بل كان قبلة للمحتاجين وأصحاب المشكلات العائلية وعمل المؤسس على إبداء النصح والارشاد لكل من يطرق بابه محتاجا.

وعبر الهاتف وصف لنا المناعمة مياه المطر المتساقطة عليهم من شقوق الاسبست أثناء الدروس الدينية أو الدعوية فقال: رحم الله الشيخ كان من أبسط الناس (...) قام ببناء العديد من البيوت بغزة ولكنه يرفض تواضعا أن يقطن في بيت فخم.

من خلال حديث المناعمة عن إنشاء الشيخ لمسجد المجمع الإسلامي تذكرنا يوم استشهاده فجر 22 مارس 2004 وهو خارج على كرسيه المتحرك من المجمع، بعدما ألقت مروحيات الأباتشي (الإسرائيلية) حقدها عليه بجوار المكان الذي لطالما مثل الملتقى التربوي والثقافي للشباب الملتزم، والحضن الدافئ لأشبال حماس.

وبقليل من اللوم يقول المحاضر بالجامعة الاسلامية: منزل الشيخ لم يأخذ حقه الطبيعي فالمفروض أن يصبح مزارا ومتحفا تاريخيا للفلسطينيين، حتى يعرف العالم من هو الشيخ المؤسس الذي لم تثنه الإعاقة عن خدمة الإسلام والوطن، وليعلموا من أين انطلقت حماس.

واليوم ينظر المناعمة إلى البيت الصغير بحجمه العظيم بمحتوياته بنوع من الفخر والعزة لأنه أطلق حركة إسلامية أرعبت المحتل.

أكملنا جولتنا في حجرات منزل الشيخ بعد أن تعرفنا على أهم المحطات التي كان شاهدا عليها. عدنا إلى محمود راوي القصة، وسألناه عن بعض الكلمات التي كان يقولها جده فابتسم وقال: كان يحكيلي انت أذكى واحد.

كان حفيد الشيخ كالخبير في تاريخ المنزل فأشار إلى صورة الشيخ الياسين مع الراحل ياسر عرفات وقال نيابة عن والدته: كان دايما يزور سيدي ويحكي معاه (...) ماما حكتلي حضر عرسها ونقطها.

هبت نسمات الأصيل وانتهت جولتنا في بيت الشيخ الصامد بارتفاع صوت التكبير من مسجد المجمع الاسلامي.. غادرناه ومازال المنزل يحدوه الأمل بأن تحتضنه الحركة بعد الهرم والكبر كما كان حاميها ومربيها في الصغر توثيقا لمرحلة تاريخية هامة غيرت ملامح القضية.