بناء القوة ومشاغلة العدو بين الاستراتيجية والتكتيك

جمال أبو سعيد

لفت انتباهي قبل أيام مقال للأخ الدكتور وليد القططي عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي، بعنوان المقاومة بين مراكمة القوة ومشاغلة العدو، تضمن توصيفا وتعريفا لكلا المفهومين وإنحاز نهاية المقال إلى اعتبار خيار المشاغلة بأساليب حرب العصابات الذي يتبنونه هو الأنسب للحالة الفلسطينة.

وكنت أفضل أن يتناول هذا الموضوع أخ مختص بالجانب العسكري، فقد يكون لديه ما لا يحوزه السياسي في هذا الجانب..

عموما فإن لكل مفهوم ومصطلح معايير وإجراءات معينة لابد أن تتكامل فيه حتى نستطيع أن نوظفه بشكل دقيق، وحتى نستطيع أن نمارسه عملياً بناءً على الفهم الصحيح..

أما بناء القوة، فقد استمدته المقاومة دينا وشرعا وعرفا، (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم). فالقوة سياج آمن ومحكم على من امتلكها.. فخط بناء القوة ما استطعنا، يسير متوازياً مع خط استخدامها في أي لحظة، دون الالتفات لقوة العدو ورهبتها.

أما مشاغلة العدو بمفهومها العسكري والحقيقي، فهي أسلوب تكتيكي يتم استخدامه في المعارك والحروب لإشغال جزء من جيش العدو أو سلاحه أو تثبيته في منطقته الجغرافية المحددة، لضمان شل قدرته على المناورة ليُجبَر على البقاء في مكانه والدفاع عن نفسه، وبالتالي ضمان عدم قدرته على إسناد جزء آخر من الجيش، الذي يكون هو الهدف الحقيقي من الهجوم..

علما أن العدو يستخدم استراتيجية خاصة به تسمى מב''ם  مبام " أي المعركة بين الحروب". وهو فعلياً يستطيع أن يستخدمها نظراً لفارق القوة والتسليح والمعلومة.. لكنه أخيراً اعترف بفشلها خاصة أمام إيران، ومن الجيد استخلاص العبر مقارنة باستخدامها كمفهوم مشاغلة لدينا بصاروخ أو عدة صواريخ..

أما تعريف الدكتور وليد للمشاغلة، فهو إشغال العدو بالمقاومة دون فترات هدوء طويلة الأمد تسمح للعدو بالاستقرار والأمن..

وفي الحقيقة يعتبر هذا التعريف الذي على إثره يبنى المفهوم وعلى إثره يبنى الفعل وإجراءات الميدان، يعتبر اختزال لدور المقاومة باعتبارها أداة منع استقرار وتهويش ومناوشة فقط، وهو ليس بعيداً عن التعريف العسكري التكتيكي..

بالعودة قليلا للوراء إلى ما قبل الانسحاب من غزة تحديدا، نجد أن الصراع كان عنيفاً بين الطرفين، فهناك اغتيالات دائمة واجتياحات ومجازر، وأسلوب المقاومة كان يعتمد على الضربات المستمرة والمتتالية على المستوطنات بما يتوفر من سلاح وعتاد وعمليات استشهادية، ذلك أن عنوان وطبيعة المرحلة كانت قتال متواصل ومستمر، وكانت المقاومة بعتادها المتواضع آنذاك لا تستطيع الحديث عن قواعد اشتباك وخلق حالة ردع، ففاقد الشيء لا يعطيه..

لكن شيئاً فشيئاً وبامتلاك وسائل القوة وخوض ٣ حروب وما بينهما من جولات وما بعدهما.. استطاعت المقاومة أن تصل لمفاهيم استراتيجية وتحققها تعدت ما يسمى بالمشاغلة، فليس من المنطق أن تعيد استخدام وسائل وأساليب استخدمتها سابقاً وحققت بها أهدافك!

فقد امتلكت المقاومة القوة وراكمتها ولوحت بها واستخدمتها أحياناً، محققة بشكل نسبي حالة ردع، أقنعت العدو بالثمن المضاعف الذي سيجبيه مقارنة بما يتوقع تحقيقه، وعن طريقه فرضت قواعد الاشتباك التي رسختها المقاومة بوقف سياسة الاغتيالات والاستهدافات المستمرة للمواقع العسكرية ومقدرات المقاومة.

وعليه فقد استطاعت المقاومة أن تؤسس لذاكرة مؤلمة جداً في وعي قادة العدو فيستدعيها ماثلة أمام عينيه، تجعلهم يفكرون ألف مرة في أي نوايا مستقبلية ضد غزة وأهلها، مايعدو نقاطاً إضافية لصالح المقاومة في ردع العدو، بل واستمرارها في مراكمة قوتها وهو بموقف المتفرج..

إذن هل هناك تناقض بين بناء القوة وبين المشاغلة التي أفضل أن أسميها باسمها الصحيح، والمعمول بها بشكل أعمق لدى البعض وهو "جولات القتال؟

كما ذكر الأخ الدكتور وليد أن المشاغلة أحد أهم أسباب مراكمة القوة، وهذا صحيح، لكن يجب أن تكون في مسارها الصحيح..

فجولة القتال المؤثرة المضبوطة والمخطط لها والمتوافق عليها بين مكونات العمل العسكري لا تتنافى مع بناء القوة، بل وجولة القتال تصبح من الفروض على المقاومة في حال خرق العدو قواعد الاشتباك أو حاول فرض متغيرات عليها لصالحه.

وقد عايشنا جميعاً حرب السجيل التي كانت رفضاً قاطعاً لعودة سياسة الاغتيالات، وكان قصف تل أبيب كي وعي العدو الذي لا يُنسى. وعايشنا جميعاً حرب العصف المأكول التي لم تكن لتصمد لفترة ٥١ يوم لولا البناء المستمر للقوة..

وعايشنا جميعاً جولة حد السيف التي بدأت باستهداف باص جنود بصاروخ كورنيت وإطلاق ٤٠٠ صاروخ في ٢٤ ساعة.. وكذلك في مايو الحالي رداً على استهداف موقع ١٣ واستشهاد ٣ من كتائب القسام، عندما قتلت المقاومة ٤ إسرائيليين وأصابت ١٢٣، واستهدفت ناقلتين جند بصواريخ موجهة.

إذن تُصاغ قواعد الاشتباك، بجولات قوية ومؤثرة، تضيف نقاطاً إضافية لرصيد المقاومة وتقوي درع ردعها، ولا تصاغ بعدة صواريخ تسقط

قريباً من الغلاف لتسمى مشاغلة، لتعطي ذريعة للعدو لاستهداف حجم مقدرات أكبر بكثير من مفهوم المشاغلة. نعم عدونا مجرم وليس بحاجة لذرائع، ولكن الارتقاء بالمفاهيم ضمن رؤية عسكرية موحدة والالتزام بها، مطلوب لسد الطريق أمام العدو.

وعليه يُفترض قياس حجم وأثر أسلوب المشاغلة والفائدة التي سيحققها، مقارنة بالخسائر التي تلي الفعل.. هكذا تقاس الأحداث عسكرياً بتقديرات الموقف وبتأثير الفعل وتوقع رد الفعل.

أما ماورد في تعريف الأخ الدكتور وليد عن المشاغلة أنها زعزعة أمن الكيان واستقراره وتعميق مأزق الكيان الأمني والوجودي وضرب المشروع الأمني في جوهره. فهو كلام نظري وموسيقي جميل، أتمنى أن تحقق منه المشاغلة شيئاً، لأكون أول المشاغلين، لكننا نرى بوضوح صاروخين أو رشقة بميزات فنية متواضعة. يتبعها استهداف مؤلم لمقدرات المقاومة لو كانت لصاحب أسلوب المشاغلة لحسب لصاروخه ألف حساب!! فمن يَعُد القصف ليس كمن يُقصَف.

وإن كان البعض مقتنع بتنفيذ المشاغلة، فهم بحاجة لإقناع الجميع بالتأثير الضعيف لأدوات هذا الأسلوب؟؟ ومالذي أحدثته بالشواهد والأرقام؟؟ وأنه ليس تغطية على شتات حالة عسكرية ليس لها قائد عام في قطاع غزة، أو خلافات داخلية، وقد كانت المواجهة الأخيرة وحجم الرد على رد المشاغلة دليل حقيقي على عدم القدرة على حماية هذا الخيار بضعفه، الذي بدا للجميع أن ضره أقرب من نفعه، مقارنة بما حققه من مكتسبات..

وأقرب مثل على أنانية وفشل هذا الأسلوب في كثير من الأحيان، هو صاروخ أو صاروخين يتخذهما العدو ذريعة لقضم قدرات حقيقية ومؤثرة للمقاومة، أو لاستهداف نقاط رصد معينة، يستغلها العدو أمنياً لدخول قوة خاصة لتنفيذ عمل أمني!!

إن حقيقة تبني المقاومة لاستراتيجية بناء القوة ومراكمتها حالياً، أو بالأحرى "اختيار موعد البدء بالمواجهة عملياً"، لا يعني عدم الاستعداد للمواجهة أو الابتعاد عن جولات القتال، فهي اليوم قادرة على تطبيق مبادئ قتالها المتمثلة بتنفيذ عمليات إغارة في الأراضي المحتلة وإطلاق الصواريخ بصورة مستمرة، وإلحاق أضرار كبيرة بمدن الغلاف والعمق.. وهو ما حدث كما أسلفنا وقد يحدث في أي لحظة.

إذن أهم ثوابت المقاومة الاستراتيجية بعد أن أسست لقواعد اشتباك جديدة وحالة جيدة من الردع، هو الاستمرار في بناء القوة ومراكمتها، مصحوبة بمتغيرات تكتيكية أحدها المشاغلة وأقصد بها "جولات القتال" وتوقيتها، أو المشاغلة جماهيرياً، فهي متغيرات قد تفرضها مصلحة المقاومة مجتمعةً، أو ردة فعل على خروقات معادية أو متغيرات الساحة الفلسطينية والإقليمية.