عن نساء الدانتيل

يا يسري الغول، إنها رجال الدانتيل !!!

رشا فرحات
رشا فرحات

رشا فرحات

 عادة أتلقف أي شيء يكتب عن المرأة بشكل عام والفلسطينية بشكل خاص، وأحب تسليط الضوء على أوجاعها الكثيرة، وأبحث عن الجرأة في الطرح، والقدرة على مواجهة واقع ظلمت فيه النساء.

وهذا ما دعاني لقراءة "نساء الدانتيل" بلهفة حقيقية، فـفوجئت بالجانب الأكثر بروزا في المجموعة القصصية الثالثة للكاتب!!

بدأ يسري الغول مجموعته بقصة شرفات عالية والتي تلمح إلى نساء محرومات من الجنس لأنهن فقدن أزواجهن في حرب ما من حروب المدينة فيحاول الكاتب كسر المحرمات التي وقعت على المرأة كنوع من أنواع الخسائر التي كابدتها جراء ظروف الحروب والحصار، ولم أعترض للوهلة الأولى، فالجنس احتياج آخر من احتياجات النفس البشرية، ولكني كنت آمل أن أرى وجها آخر من وجوه العنف والعذاب الذي تقع فيه نساء كثريات، ذلك الذي تحب المرأة أن يقرأه الرجل أكثر من قراءته التقليدية لأنوثتها.

المرأة عزيزي يسري إذا تطلقت وترملت في غزة، فإنهم يبحثون عن كل وسائل القمع لإقناعها بالزواج مرة أخرى حتى، وهي في الوقت ذاته تتزوج إذعانا لعادات القبيلة، التي تنظر إليها وهي عزباء ككتلة من العار، فتحرمها من أبنائها وتعليمها وعملها، في سبيل ما يرونه الأهم، وهو الجنس!!!

ليس هذا كل ما تبحث عنه المرأة!!

يسري الغول جاء ليكتب عن ما تريده المرأة، فكتب عن ما يريده الرجل من المرأة، عنف آخر، ظهر في صورة الذكورة التي تبحث عن الجنس، وتبرر حدوثه بشكله المحرم باسم الحب !!

احترم جرأتك، ولكنك لم تلمس الأوجاع الحقيقية التي لن يتمكن أي رجل من لمسها، أوجاع المرأة التي لا يقرأها إلا المرأة، في بلد محاصر أُنث فيه الفقر والعوز، ترى فيه المرأة الجنس آخر أولوياتها وهي صادقة، هناك عشرات القضايا في القلوب والعقول المكسورة تنام المرأة ليلا وهي تفكر فيها، أكبر كثيرا من موضوع الجنس، كنت أتمنى أن أقرأ عنها بين نساء يسري الغول، إلى جانب الجنس الذي ليس لدي اعتراض عليه.

نساء الدانتيل.jpgدمج الغول بين الأغنية والحب في قصة أنا وشادي، القصة الجميلة التي تبدأ بالحب وتنتهي بالبحث عن فرصة للهرب والهجرة، احتياج آخر للرجل!

وفي قصة ابن التراب والباب العجيب، ونساء الدانتيل، كلها قصص بطلها الأساسي الجنس، رغبة الرجل، وغاية بحثه في كل امرأة مع الظهور التقليدي الذي بات نهجا لكتاب المرحلة، وهو رجل الدين الذي يخرج من حلقة ذكر وهو يحلم بلقاء امرأة ترتدي ملابس النوم على الرصيف القريب من قهوة الكروان!!!! أحد مقاهي المدينة المسحوقة، منكوبة النساء!

نساء غزة يرتدين أيضا الدانتيل، وملابس النوم الشفافة ولكنهن حينما يتألمن، يتألمن من انقطاع الراتب، وحرمانهن من أبناء هاجروا وتركوهن، وأخريات تغيرن وتبدلن لأن أحزابهن فعلن بهن ذلك، وأخريات اعتقلن وضاعت أعمارهن لأنهن يحملن على أكتافهن قضية عادلة، وفتيات انقطعن عن الدراسة بسبب غلاء الجامعات، وفتيات حرمن من ملابس العيد، وأخريات تزوجن لأنهن يهربن من الواقع العائلي المرعب، وأخريات قتلن، وأسرن، وحرمن من الميراث، وفتيات حاربن من أجل رجل أحببنه...

أجل أحبته ورغبته فعلا، هن أيضا باحتياج للجنس، لكن، لماذا لم تضع الحب والجنس في قالبه الصحيح؟! المناسب للمكان والزمان، وبطلات القصص؟  لماذا أشعرتني وكأنك تتحدث عن نساء من قبائل أخرى، ودول أخرى وحضارات أخرى، ما هذه الغربة التي تملأ السطور؟!!!

حتى وإن كانت المرأة كاملة، جميلة، متعلمة، غنية، أم، أخت، صاحبة مشروع، أوجاعها هي أوجاع المدينة المنكوبة التي لا تنفصل عنها!

ما أكتبه الآن لا يعني عدم اعترافي بحق المرأة في الحب، ولا في الجنس، ولكن لعل حقها في محاكمة رجل ضربها أو قتلها، أو سرق مالها، أو حرمها من أطفالها، هو ما تحتاج للكتابة عنه أكثر.

أنا أعرف يسري الغول جيدا وفي مجموعاته الأربعة السابقة بالإضافة إلى روايته الأخيرة غزة 87 على الرغم من اختلافي مع بعض ما جاء فيها إلا أنها كانت إبداعية بالمعنى الحقيقي وفيها رسالة واضحة رغم الاختلاف.

في هذه المجموعة تطرق الكاتب إلى بعض الزوايا المهمة مثل مسيرات العودة، في قصة صائد الآلام، بالإضافة إلى تصوره للموت والمقبرة والحبكة الجميلة في قصة برزخ وخروج الأموات من قبورهم في قصة أنقاض على واجهة الشمس، لكن انطباعاته السياسية جاءت على استحياء!!

شعرت بتشتت قلم الكاتب، ويبدو أنه جمع كل غضبه في هذه المجموعة على الواقع المفروض، السياسي والديني والاجتماعي وكأنه يريد أن يخرج من عباءة ما، ليظهر للعالم أنه رجل آخر، أراد أن يكون الآخر، فوقف في المنتصف، بين حقيقته وبين الآخر!

بحث يسري الغول عن عالم ليس لنا وأسقطه علينا، فلا ظهرنا ولا ظهر العالم في السطور.

في النهاية أنا مجرد قارئة، ولست مؤهلة للنقد، كان هذا رأيي وأحببت أن أنقله لكم.