صمتت باكراً السلطة الفلسطينية عن قضية فرض السيطرة على أجزاء واسعة من الضفة الغربية والأغوار، وبعدما صعّدت إعلامياً وأعلنت وقف العمل بالاتفاقيات بما فيها التنسيق الأمني ورفض استلام أموال المقاصة، بدأت السلطة تتراجع خطوات للوراء عبر طرح ما أسمته رؤيتها السياسية للحل كبديل عن رؤية ترامب لحل الصراع الفلسطيني (الإسرائيلي).
ليس مفاجئا تراجع السلطة بل كان متوقعاً وهي التي اعتادت ان تصعد وترفع السقف ومن ثم تعود سريعاً عن قراراتها، ما يعكس حجم التخبط ومستوى العجز السياسي الذي وصلت إليه.
مؤخراً وبعد حديث العروض السياسية التي بدأت تقدمها لجهات عربية ودولية وعرضها إعادة التنسيق مقابل تجميد الضم، باتت تتوالى موجة التراجع، فقد كشفت مصادر مطلعة لراديو "أجيال" المحلي، عن تفاصيل جديدة بشأن استلام السلطة في رام الله لأموال المقاصة.
وبحسب المصادر المطلعة من داخل أروقة السلطة، فإن تقدما حصل في موضوع استلام أموال المقاصة الفلسطينية من الجانب (الإسرائيلي) عبر وسيط أوروبي دون إعطاء مزيد من التفاصيل.
يشار إلى أن السلطة أعلنت رفضها استلام أموال المقاصة من (إسرائيل)، في شهر يونيو الماضي.
ويأتي ذلك بعد قرار رئيس السلطة محمود عباس الانسحاب من الاتفاقيات والتفاهمات الموقعة مع (إسرائيل) وأمريكا، بسبب قرار الأولى ضم أجزاء من الضفة الغربية.
وبغض النظر عن صحة الأنباء الواردة من عدمها فإنها لا تخرج عن المألوف كون السلطة رفضت استلام أموال المقاصة عدة مرات لتعاود التراجع عن قرارها وتستلمها بعد عدة أشهر، ويمكن الحديث عن عدة أسباب تدفع السلطة للتراجع في كل مرة عن قرار استلام الأموال:
الأول: السلطة تتخذ قراراتها كرد فعل على السلوك (الإسرائيلي) وليس كجزء من خطة شاملة واستراتيجية واضحة تعمل وفقها للضغط على الاحتلال وانتزاع الحقوق الفلسطينية منه، كما ان الارتباك يسيطر بشكل واضح في كل مرة على أداء السلطة السياسي.
الثاني: ترفض السلطة استلام أموال المقاصة وتترك ظهرها مكشوفا دون وضع خطة بديلة حول كيفية التعامل مع الوضع المالي دون المقاصة التي تشكل 60% من الموازنة وتعتمد عليها بشكل أساس شهرياً في دفع رواتب موظفيها وتسيير الوزارات في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وبناء على ما سبق تضطر بعد عدة أشهر لاستلام المبالغ وتتراجع عن قرارها دون تحقيق أي جدوى سياسية أو اقتصادية سوى تعذيب الناس والموظفين وتركهم دون رواتب لفترات طويلة تترك آثارها القاسية على الاقتصاد الفلسطيني المنهار أصلاً.
الثالث: وصلت السلطة لقناعة بأن رهانها على أن الاحتلال لا يمكن ان يستغني عن الخدمات التي تقدمها له ودورها المهم خاصة على الصعيد الأمني وأنه لن يسمح لها بالانهيار غير صحيح، فقد استمر الاحتلال في تعزيز قبضته الأمنية في مدن الضفة وتجاهل إلى حد كبير القرارات والإجراءات التي اتخذتها السلطة، خاصة في ظل وجود تقديرات أمنية قوية تؤكد أن تراجع السلطة مسألة وقت، فقد اختبر غضب السلطة مرات عدة سابقاً وكان التراجع خيارها دوماً.
الرابع: تعتقد السلطة أن رفضها استلام أموال المقاصة والتصعيد الإعلامي قد يدفع المجتمع الدولي والدول العربية والأوروبية إلى دعم موازنتها لتعويض النقص الكبير في خزينتها نتيجة رفض استلام الأموال، وهو رهان خاسر إلى حد كبير بالنظر إلى التوقيت الذي يشهد أزمة اقتصادية عالمية نتيجة جائحة كورونا التي فرضت حالة اغلاق عالمية تسببت بتداعيات اقتصادية خطيرة.
الخامس: رفض استلام الأموال بالتزامن مع غرق مدن كبرى في الضفة بوباء كورونا صعّد من الازمة الاقتصادية، واستغل الاحتلال حاجات الناس للتعامل معهم مباشرة دون دور للسلطة ما ترى فيه الأخيرة تجاهلا متعمدا وخطيرا لدورها ووجودها وجعلها تعيد التفكير في مسألة وقف العلاقات ورفض استلام الأموال.
وبغض النظر عن صحة المعلومات حول وجود وساطات لإعادة أموال المقاصة للسلطة فإن تراجع السلطة ليس جديدا وهي بحاجة ماسة لأموال المقاصة التي تضمن لها استمرار عملها والحفاظ على قبضتها الأمنية في الضفة خاصة ضد المقاومة.