قائمة الموقع

ما بين ازبورن وفياض…!

2010-11-01T18:11:00+02:00

       

ينشغل الشارع البريطاني منذ تشكيل حكومة تحالف المحافظين والديمقراطيين الاحرار عقب انتخابات مايو الماضي  بما أسماه وزير الخزانة البريطانية جورج أزبورن بالخفض القاسي والعادل للموازنة العامة بما يتجاوز 28% من نفقات الوزارات السيادية، اضافة الى الاستغناء عن أكثر من نصف مليون وظيفة في القطاع العام.

في ظل هذا المشهد من الخفض الحاد للانفاق في القطاع العام في المملكة المتحدة والذي ينسحب على أكثر من دولة أوروبية، تواصل "حكومة فياض" التوسع في الإنفاق العام رغم هشاشة بل مأساوية المشهد الاقتصادي الفلسطيني الذي يمثل عماد هذا التوسع فيه ثلاثة مصادر أساسية في مقدمتها تمويل الجهات المانحة يليها الإقتراض من المصارف المحلية وثالثا زيادة العبء الضريبي على القطاع الخاص.

ورغم أن تقرير البنك الدولي الأخير المقدم لاجتماع لجنة ارتباط الدول المانحة "للسلطة" نهاية سبتمبر في نيويورك، قد أشاد بأداء "حكومة فياض" المالي والاقتصادي إلا أنه النزعة العالمية للتقشف في الإنفاق العام تدعونا لقراءة ما بين السطور.

ويبدو أن حالة من التناغم وربما من التبني المتبادل تربط العلاقة ما بين فياض وصندوق النقد والبنك الدولي بدءا من أعلى هرم المؤسستين، انتهاء بفرق العمل العاملة في الاراضي الفلسطينية.

لا ننكر أن البنك الدولي يحرص على إصدار تقارير دقيقة قدر الإمكان، لكن تقاريره تحوى في بعض الأحيان صياغات تحتمل التأويل أو تتعمد إبراز بعض المفاصل دون غيرها أو إخفاء بعض الحقائق بما يمس جوهر المعلومات لتحقيق أغراض ذات بعد سياسي أو لإدامة تواجد فرقه العاملة وضمان إدارته لأموال الجهات المانحة.

يضاف إلى ما سبق فكرة تسويق التعايش مع الاحتلال التي يروج لها البعض خاصة في ظل الحديث عن جاهزية وشيكة لقيام الدولة الفلسطينية وفق بعض التصريحات المنسوبة لقادة سياسيين.

لقد أشار التقرير الأخير إلى تحقيق الإقتصاد الفلسطيني لنسبة نمو متوقعة توازي 8% في الضفة والقطاع بشكل موحد في عام 2010 بعيدا عن الإشارة الى ان نسبة النمو نتجت بشكل أساسي من الإرتفاع المفاجئ لمعدل النمو في الناتج المحلي في غزة والتي تشير التقديرات الى تجاوزه معدل 15% في النصف الأول من العام الحالي مدفوعا بعامل استرداد بعض العافية للاقتصاد الغزي المتهالك أساسه القطاع الزراعي.

الثابت هنا أن المحرك الرئيس لمعدل النمو في الناتج المحلي وكما أشار التقرير بشكل واضح يكمن في المساعدات المالية الخارجية المقدمة "للسلطة" بعيدا عن عوامل الدفع الإقتصادية الذاتية، كما أشار إلى غياب النمو الإقتصادي المستدام خاصة في القطاعات الإنتاجية وهو ما يشير إلى استحالة تقليص الإعتماد على المساعدات الخارجية !!! وهو ما يعني أن أي توسع في الإنفاق حاليا ستكون له تداعيات خطيرة بدءا من استقلالية القرار السياسي الفلسطيني مرورا بشلل في الحياة الاقتصادية انتهاء بالخدمات العامة المقدمة للموطن البسيط.

وبموازاة الغياب التام للنمو المستدام، توسعت "السلطة "في التحصيل الضريبي حيث ارتفع معدل تحصيل الإيرادات الضريبية في النصف الأول لهذا العام بنسبة 15% عما إستهدفته الموازنة، وبنسبة تتجاوز 50% عن معدل التحصيل للنصف الأول من العام الماضي. في مقابل ذلك انخفضت المتحصلات غير الضريبية بنسبة تتجاوز 38% مما إستهدفته الموازنة.

مثَل ذلك الأمر توسعا قاسيا في العبء الضريبي على المصالح الاقتصادية الخاصة في الدرجة الأولى وبالتالي نجد أننا أمام توجه لسياسات إقتصادية تعزز النمط الاستهلاكي للمجتمع كمدخل للإيراد بعيدا عن تفعيل وتعزيز دول القطاع الخاص كقطاع منتج ولاعب أساسي في التنمية المستدامة.

وبالعودة إلى الزيادة المقترحة في الإيرادات ضمن خطة "أزبورن" للتقشف، نجد أنها ترتكز بشكل أساسي على الزيادة في الإيرادات غير الضريبية مع زيادة في ضريبة القيمة المضافة، يقابلها خفض الضرائب على الشركات بمعدل أربع نقاط خلال الاعوام الأربعة القادمة ايمانا بدور القطاع الخاص في امتصاص حدة الأزمة المالية إضافة إلى خفض الضرائب على أكثر من 23 مليون دافع للضرائب الأمر الذي لا يجعل من المواطنين ذوي الدخل المحدود عرضة للتأثر الحاد بفعل سياسات التقشف.

أما على صعيد التوسع في الإنفاق العام "لحكومة فياض"، فنجد أنه وعلى الرغم من أن البنك الدولي أشار الى بقاء الانفاق ضمن الغايات المستهدفة في الموازنة، إلا أنه غض الطرف عن التوسع المستمر والمتسارع في الإنفاق والذي تبرز ملامحه كما يلي:

1. قدرت موازنة العام الحالي بحدود 3.8 مليار دولار وبعجز اجمالي 1.8 مليار دولار يمثل حوالي 47% من إجمالي الموازنة ويعتمد تمويله على المساعدات الخارجية.

2. بلغ العجز في موازنة "السلطة" عام 2009 مبلغ 1370 مليون دولار بما يشكل أكثر من 26% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي.

3.  بلغ حجم الانفاق الفعلي عام 2009 حوالي 3.2 مليار دولار مثلت النفقات الجارية منه ما نسبته 95% فيما أنفق على المشاريع التطويرية ما دون 5%.

4. بلغت حصة الإنفاق على الأمن والنظام العام حوالي 35% من حجم الانفاق.

5.  وجهت أكثر من 46% من حجم النفقات الجارية الى فاتورة الرواتب.

6. بلغ عدد الموظفين في القطاع العام نحو 160 الف عين منهم في الضفة الغربية نحو 20 الف في التسعة شهور الاولى من عام 2009 بما يمثل زيادة في عدد موظفي الضفة بنسبة 40%.

أمام هذا التوسع في الإنفاق الفلسطيني وفي غمرة التسارع الدولي إلى تبني خطط التقشف يقف الإنسان حائرا أمام تضخم موازنة "السلطة " ما بين عام 2000 والتي بلغت آنذاك مليار دولار بفائض مالي وبين موازنة عام 2010 التي تضاعفت أربع مرات تقريبا بعجز يمثل حوالي نصف الموازنة العامة.

فكيف يمكن أن نوفق بين سعى وزير الخزانة البريطاني أزبورن إلى خفض الاقتراض الحكومي إلى 1.1% من الناتج المحلي الإجمالي بينما يحلق العجز في موازنة "السلطة" إلى ما فوق 26% من الناتج المحلي.

لقد اتخذت الحكومة البريطانية الحالية إجراءات تقشفية قاسية مدفوعة بمؤشرات تفضيلية إذا ما قورنت بتلك الخاصة "بحكومة فياض" حيث مثلت فاتورة الرواتب في المملكة نحو 183 مليار جنيه أي ما يعادل 27% من إجمالي نفقات الموازنة العامة.

كما بلغ حجم الإنفاق على الدفاع في بريطانيا التي تخوض حربين في العراق وأفغانستان اضافة إلى هواجسها الأمنية حوالي 32 مليار جنيه ما يعادل أقل من 5% من إجمالي الإنفاق.

من الطبيعي أن يكون من الإجحاف المقاربة بين المملكة المتحدة و"السلطة " ، لكنه من المنطق أن نأخذ بالقياس، فالمملكة التي تملك استثمارات لا تغيب عنها الشمس وتملك من مصادر الإيراد وعوامل التنمية المستدامة ما لا تملكه إلا دول بعدد أصابع اليد الواحدة ومعدل دخل الفرد فيها يعادل خمسة وعشرين ضعفا معدل دخل الفرد الفلسطيني وتملك ايضا خامس أعلى ناتج محلي حول العالم، وفي ضوء معطيات هامشية اذا ما قورنت بمعطيات الوضع الاقتصادي الفلسطيني الصعب تلجأ المملكة إلى هذا الحد من شد الأحزمة والتقشف في حين تواصل "السلطة" التي لا تملك من مقومات الحياة سوى صمود شعبها الى التوسع الحاد في الانفاق وزيادة الإعتمادية على الاقتراض والمساعدات الخارجية.

يرى البعض من أطراف المعارضة الفلسطينية أن هناك مشروعا لرهن القرار السياسي الفلسطيني إلا أن الأمر على البعد الإقتصادي له تداعيات خطيرة... نعم ربما يكون هناك رهن للقرار السياسي تغذيه تخوفات "السلطة" من انهيارها وعدم قدرتها على البقاء!! إلا أن الثابت هنا أن هناك ربط لكل مفاصل الحياة الفلسطينية بالاحتلال وبقرار الممول الغربي ... هناك ربط للمواطن الفلسطيني البسيط بمشروع "السلطة" اخذين بعين الاعتبار التوسع المتواصل في التوظيف في القطاع العام ... هناك ربط للمصالح الإقتصادية الفلسطينية مع دولة الإحتلال ومشروعها التوسعي في ضوء الحديث عن زيادة للإعتماد الفلسطيني على الإقتصاد الإسرائيلي بنسبة تتجاوز 52% ما بين عام 2000 إلى عام 2008 جلها في الأعوام الثلاثة الماضية.

كما أن إهمال القطاع الخاص الفلسطيني الذي تراكمت مديونيته في الستة أشهر الأولى من هذا العام لتبلغ أكثر من 383 مليون شيكل (ما يعادل اكثر من مئة مليون دولار ) إضافة إلى التوسع في اللجوء إلى البنوك المحلية والإقتراض منها بما يعادل 213 مليون دولار في التسع أشهر الأولى من عام 2010 ليصل حجم الدين العام مع نهاية شهر سبتمبر حدود الملياري دولار (ما يمثل حوالي 40% من إجمالي الناتج المحلي)، إضافة إلى الإعتماد المفرط على الدول المانحة. كل ذلك يفرض علينا أن نطالب وبصوت مرتفع من فياض أيضا إظهار الحقائق كاملة .

لقد حمل فياض منذ توليه وزارة المالية عام 2003 وتوليه بعد ذلك رئاسة حكومة فتح في رام الله شعار " الشفافية والمساءلة " والأمر يتطلب أن يطلعنا على التفاصيل والسياسة والرؤية... نستذكر هنا حين أشاد الرئيس الأمريكي بوش وفي قلب البيت الأبيض عام 2003 بفياض ومنهج الشفافية الذي يحمله .. بالتالي ورغم صدور بيانات شهرية وتراكمية على موقع وزارة المالية، فإن المنتظر معلومات كاملة حول بنود الإنفاق وحقيقة التخصيص للانفاق الأمني... ننتظر معلومات حول جدوى التوسع في التعيينات والرؤية لنظام التقاعد.. ننتظر معلومات شفافة حول الالتزامات المالية للسلطة ومستحقات هيئة التأمين والمصارف المحلية والتصور لمعالجتها...نحتاج هذه المعلومات لا ليتم حجبها مجددا ولكن ليكون الجميع مدركاً لمفاعيل السياسات المالية المتبعة في وطن تحاصره الآلام وتنهش مشروعه أطماع الساسة.

ننتظر ذلك لأننا ندرك أن غياب الرقابة التشريعية المغيبة بتعطيل عمل المجلس التشريعي وغياب جهاز الرقابة يمثلان فجوة لا يسدها إلا ترسيخ سياسة النزاهة والشفافية.

رامي عبده/محلل مالي/مانشستر

 

اخبار ذات صلة
مَا زلتِ لِي عِشْقاً
2017-01-16T14:45:10+02:00