الرسالة نت - كمال عليان
في الوقت الذي يتبادل فيه المسلمون التهاني في كافة أنحاء العالم بمناسبة عيد الأضحى المبارك، كان أهالي قطاع غزة يغرقون في ظلام دامس بعد نقص كمية الوقود المتوفرة لمحطة تشغيل الكهرباء الوحيدة في القطاع.
ويعاني قطاع غزة من أزمة كهرباء قاسية نتيجة تقليص كمية الوقود التي تدخلها قوات الاحتلال الصهيوني إلى القطاع عبر معابرها، الأمر الذي جعل أهالي غزة لا يذوقون طعما للأعياد أو المناسبات التي يفرح بها المسلمون كافة.
وقد خيّم الحصار الخانق المفروض على قطاع غزة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، على أجواء ما قبل عيد الأضحى في غزة، في الوقت الذي يفتقر فيه القطاع لأبسط مقومات الحياة ألا وهي الكهرباء.
أصوات المولدات
ولم تستطع الحاجة أم أحمد جابر أن تسمع صوت بائع الملابس في شارع عمر المختار وسط مدينة غزة، نظرا لصوت "مواتير الكهرباء" المزعجة التي طغت على صوت البائع، الذي اضطر لاستخدام مكبرات الصوت للفت انتباه الزبائن للأنواع الجديدة التي استطاع تهريبها للقطاع عبر أنفاق رفح الحدودية.
وبينما كانت تتجول بين البسطات المنتشرة في المكان تقول الحاجة أم أحمد (45عاما) وهي أم لسبعة أبناء:" لا تكاد تجد طعما للعيد فلا كهرباء متواصلة ولا أموال والحصار مازال قائما وليس لنا إلا الله"، متمنية أن يتحسن الحال في الأيام القادمة.
ولم تخف أم أحمد التوتر النفسي الذي يصيبها وأبنائها جراء الانقطاع المستمر للكهرباء وعدم حل هذه المشكلة منذ سنوات، مبينة أن الحصار طال كل مناحي الحياة.
لسان حال المواطنة أم أحمد هو حال الكثير من الأسر الغزية التي اكتوت بنار الحصار المفروض على القطاع منذ سنوات.
ولا يختلف الحال كثيراً مع الشاب علاء حمدي ( 23عاما)، الذي كان منشغلا في حساب ما تبقى معه من نقود بعدما اشترى قميصا ويبحث له عن بنطلون، فيقول :"مع بداية كل شهر كنت أشتري عدة بنطلونات وقمصان، وأتابع موضة الملابس، لكن اليوم يا دوب أقدر أشتري ملابس العيد بسبب تضاعف الأسعار والحصار".
ولم يعُد الشباب في غزة يتابعون موضة الملابس في الأسواق، إذ يكتفون بشراء ما هو ضروري بعيدا عن الكماليات.
إحباط !!
ويسيطر الإحباط على أصحاب المحال التجارية، من جراء ضعف الإقبال على شراء الملابس، في وقت تتكدس فيه الملبوسات فوق أرفف المحلات ومخازنها.
في وسط شارع عمر المختار المكتظ بالزوار، وبجانب أحد مولدات الكهرباء الموضوعة أمام أحد محلات بيع الملابس جلس أبو محمد (45عاما) أمام محله الذي خلا من المشترين، ليقول وقد بدا الهم على وجهه:" إن الحركة الشرائية ضعيفة رغم حلول العيد، وكل هؤلاء الزوار هم فقد يأتون لمشاهدة الملابس لا شرائها، ويريدون ملابس بأسعار زهيدة".
وأعرب عن خشيته من تعرضه لخسائر فادحة، خصوصا مع إنفاقه آلاف الشواكل على الملبوسات المهربة عبر الأنفاق.
وأضاف:" لا يوجد إقبال على الشراء لأن الأسعار مرتفعة، مستذكراً أوقات سابقة يوم أن كانت تدخل البضائع ليقول :" كان الناس لا يفاصلون كثيرا على الأسعار، مبينا أن الأسعار كانت معقولة.
استمرار الازمة
بدوره أكد مدير عام شركة توزيع كهرباء محافظات غزة سهيل سكيك إلى أنه نظراً للنقص القائم في كمية الوقود المتوفرة فإن معدل عدد ساعات فصل التيار الكهربائي سيستمر خلال فترة أيام العيد.
وأوضح سكيك في حديث لـ"الرسالة نت" أنه منذ الأحد قبل الماضي تعمل محطة كهرباء غزة على تشغيل مولد واحد؛ ما يعني أن معدل فصل التيار الكهربائي سيبقى على حاله بمعدل ثماني ساعات يومياً وقد ينخفض هذا المعدل إلى أقل من ذلك خلال الأيام القليلة القادمة نظراً لانخفاض درجات الحرارة وانخفاض معدل الاستهلاك خلال أيام إجازة العيد.
وأشار سكيك إلى أن الكميات المحدودة من الوقود المتوفرة لدى المحطة ستفي بالكاد لتشغيلها خلال أيام العيد التي ستشهد إغلاق معبر كرم أبو سالم، ما يعني التوقف عن إمداد المحطة بالوقود خلال هذه الفترة وبالتالي ستضطر المحطة للإبقاء على تشغيل مولد واحد.
وأوضح سكيك أن المحطة تحتاج شهرياً كي تعمل بطاقة مولدين إلى ما لا يقل عن 6ر9 مليون لتر من الوقود في حين أن ما تم إدخاله على سبيل المثال خلال الشهر الماضي يقدر بنحو 1ر8 مليون لتر.
حذر اقتصادي
توجهت الرسالة إلى الدكتور معين رجب أستاذ الاقتصاد في جامعة الأزهر بغزة لمعرفة أثر الحصار على حياة المواطنين وخصوصا في الأعياد، فقال :" أصبح الغزي يتكيف مع الأوضاع الاقتصادية والسياسية المفروضة عليه، فيبحث عن البديل لما يعجز عن توفيره، وان لم يجد فانه يؤجل الشراء لحين تحسن الأوضاع.
وأوضح رجب بأن غير القادرين على شراء السلع بسبب الحصار وارتفاع الأسعار يحجمون عن شراء بعض السلع الضرورية لأنه لا يملك بدائل أخرى، منوها إلى أن حصار ما يزيد عن ثلاثة أعوام يؤثر على سلوكيات الأفراد اقتصاديا بشكل متفاوت.
وقال الخبير الاقتصادي للرسالة نت :" قد يكون الغزيين قد اعتادوا الظروف الصعبة , إلا انهم ينظرون للمستقبل بشيء من الحذر والترقب والتهيؤ للاحتمالات السيئة "، وأضاف أن المواطن يتجنب القرارات بعيدة المدى ويعتمد على المعاملات الآنية والوقتية فيما يخص البيع والشراء وغيرها".
إذن، ظلام دامس، وانقطاعٌ دائمٌ للتيار الكهربائي، وحصارٌ مشددٌ محروسٌ بالأسوار والأسلاك والجدران، وأسعار عالية، معاناةٌ ثلاثية الأبعاد، عميقة الجذور، تتضافر كلها لتترك على أهالي قطاع غزة أثراً كبيرا، لا سيما ونحن لا يفصلنا عن العيد سوى بضع ساعات فقط..