حذاء واحد

رشا فرحات

كنت أسير متعثرًا بعد خروجي من المسجد، لم تبزغ الشمس بعد لتنير طريق العائدين من صلواتهم، خطوات أقدام الرفاق خلفي، تدوس على بعض أرواق شجر خريفية انتشرت على الرصيف، تكاد لا ترى أمامها بسبب انقطاع الكهرباء.

وأنا أغب في صدري هواء الفجر النقي، ونسيم الخريف العليل، فإذا بيده على كتفي، متقدمًا عليَّ بتحية الصباح، فرددتها وأنا متفاجئ، مستهجنًا غيابه منذ عشرة أيام عن صلاة الفجر.

لقد كان أبو مرزوق مسؤولًا في الحي، عن شيء لا نعرفه، ومن جهة نعرفها، لكننا لم نكن على يقين منها، ولكنه في كل شهر يفتح حاصلًا فارغًا أسفل منزله، لعشرة أيام في الشهر، يملأه بقسائم غذائية جاءت تبرعًا من أحدهم، فيوزعها بهدوء بناءً على قائمة من الأسماء الطويلة لسكان في حينا، يأتون بانتظام لا يخلو من هدوء، لا يخلو من سرية، ليتسلموا صندوقًا مليئًا بالمؤن.

كنت أحب جاري "أبو مرزوق"، وأحب فيه الخير الكثير الذي يستنفد طاقته دون مقابل، وأعلم أنه لا يمتلك قوت عياله، وأعلم أنه في عزة نفس لا تسمح له بالطلب، أو التلميح، مخافة أن يفهم تلميحه تسولًا.

لكنه في هذا الفجر كان باديًا على غير عادته، عبوس الوجه، وفي فمه كلام وماء، فسألته عن حاله، ثم رجوته بعد أن تمنَّع، حتى تكلم مضطرًا، وربما مقررًا أن بإمكاني مساعدته، وربما أقلع عن فكرة تمسكه بعزة نفسه في تلك اللحظة.

أخفض أبو مرزوق عينيه، ولم أعتد منه على خفضهما، وشبك أصابع يديه ببعضهما البعض، فارتفعت أكتافه وكأنني سمعت في صوته رجفة، فحسبتها من برودة الفجر ولكنه حينما تكلم شعرت أنا بارتفاع حرارة جسدي.

لم يكن أبو مرزوق يريد الكثير حينما أخبرني أنه اضطر لاصطحاب زوجته في زيارة لأحد أقاربهم، فاستعارت حذاء زوجة أخيه التي تسكن بالجوار، وقد كان ذلك لنصف ساعة فقط، لأداء واجب الزيارة لا أكثر، ولكن الفاجعة الكبرى تمثلت أمامه في طريق العودة، حينما تعثرت زوجته فكسرت كعب الحذاء، حذاء لا يمكن إصلاحه، لأنه مهترئ في الأصل، ولا يصلح، حذاء تتقاسمه زوجته مع زوجة أخيه، ولكنه ملك الأخرى في النهاية ويجب عليه أن يعيده بأي طريقة.

نظرت إلى وجهه، ولم أفهم، أو ربما أنني لم أتخيل، ماذا يريد جاري، هززت رأسي حينما اقتربت من باب بيتي، وحاولت أن أهون عليه أزمة ظننته يفتعلها، وظننتها أقل من أن يكترث إليها، بل وظننتها لا قيمة لها.

وضعت مفتاح الباب في القفل، والتفت إلى أبي مرزوق ضاحكا:" لعله خير يا جار، مشكلة لا تساوي خمسين شيكل، ثمن لحذاء تعطيه لزوجة أخيك اتقاءً للمشاكل"

وما أن أدرت ظهري لأدخل حتى سمعته يقول برأس ما زال منكسًا: "أعطني عشرين شيكل فقط، فأنا أمتلك ثلاثين، وسأسددها لك في أقرب وقت".